بين ميزان القانون وهَمّ الوطن: فلسفة التمكين المعرفي كمدخل للإصلاح
لم تكن مسيرتنا في محراب القانون والعمل العام في مصر يوماً سعياً فردياً أو تحركاً معزولاً عن سياق الوطن، بل ولدت من رحم إيمان مشترك وتنسيق دائم مع كوكبة من الخبراء والزملاء الذين تقاطع معهم شغف البناء والتغيير. إن العمل في تقاطعات السياسة والتشريع داخل الدولة المصرية يفرض بالضرورة رؤية استراتيجية تتجاوز القشور، وهو ما دفعنا لتبني فلسفة “التمكين المعرفي” كحجر زاوية لأي إصلاح دستوري أو حقوقي حقيقي؛ إيماناً منا بأن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات موسمية أو صناديق اقتراع، بل هي ثقافة حية تبدأ من وعي الطالب في مدرسته و تتعاظم بتمكين المرأة في نقابتها، لتتوج في النهاية برقابة شعبية واعية تحرس إرادة المجتمع وتحمي مكتسباته.
وعلى مدار سنوات من العمل الميداني والبحثي، سعينا لتقديم نموذج “التكنوقراط الحقوقي” الذي لا يكتفي برصد العثرات أو كشف الثغرات التشريعية، بل يتسلح بالأدوات العلمية والخبرة التقنية لصياغة البدائل وصناعة السياسات. لقد كان وجودنا “في قلب العاصفة” من خلال بعثات تقصي الحقائق في لحظات الوطن الفارقة دافعاً للاشتباك مع ملفات استراتيجية شديدة الحساسية؛ حيث خضنا غمار ملفات الوحدة الوطنية والتوترات الطائفية لتقديم رؤى قانونية توأد الفتن، و تصدينا لدراسة قضايا الأمن القومي المائي من منظور حقوقي، فضلاً عن الاشتباك مع الواقع العشوائي عبر رؤية تقنينية لقطاعات مثل “التوكتوك” لتحويلها إلى إطار منظم يخدم الاقتصاد والأمن المجتمعي.
ولم تنفصل هذه الجهود عن معركة الوعي النقابي و الطلابي، حيث عكفنا على تشريح الأداء داخل النقابات المهنية وتطهير فكرها من الاستقطاب، مع التركيز على بناء كوادر نسائية وشبابية قادرة على القيادة بأسس علمية لا بشعارات حماسية. وتظل محطة الرقابة الشعبية على الانتخابات بين عامي 2005 و2015، وتأسيس الائتلاف المصري لمراقبة الانتخابات، شاهداً على إيماننا بأن صيانة الديمقراطية تتطلب ذاكرة انتخابية مؤسسية وقراءة نقدية دائمة للتشريعات الحيوية كالصحة والتأمين الصحي وغيرها. إنها مسيرة صُقلت بالاحتكاك الدولي والخبرة الميدانية، لتظل رسالة مفتوحة تؤكد أن الإصلاح يبدأ من فهم روح القانون وينتهي بالتمكين العلمي الرصين.
*الكاتب محام بالنقض وخبير حقوقي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع