إنت بتستكردني؟! ماتستكردنيش
اللهم احفظنا، الشر بَره وبعيد، أشتاتا أشتووووت. اقبلوا الأعذار يا سِيَادنا. أشوف فيك يوم ياللي هتستكردني.
كثيرا ما يسألني بعض أصدقائي الكُرد عن استخدامنا نحن المصريين في لهجتنا العامية كلمة “بِـتستكردني، ماتستكردنيش”، وأحيانا ترد بصيغة الجمع إذا كان المقام قام جمع. فهل يُفهم من استخدامنا هذه الجملة أن بها اتهامًا للشعب الكُردي بالسذاجة؟ على ميزان كلمتي: “بِتسطعبطني، ماتستعبطنيش”، أي فاكرني عبيط التي تعني مجنون؟
يستخدم بعضنا جملتي «بتستكردني»، «ماتستكردنيش» أحيانا في اللهجة العامية حينما يشعر الفردُ من مُحَاورِه أنه يستغفله أو يستخف بعقله. أي حينما يكون هناك اتهام بالسذاجة. وهي تقابل المقصود في العامية أيضًا من جُمَل: «ماتضحكش عليّا»، «ماتخدنيش في دُوكَه»، «إنت فاكرني شوربة ولّلا إيه؟!».
في الواقع، إن سؤال بعض أصدقاء الكرد هذا شغلني كثيرًا، وجعلني أبحث في العديد من المعاجم اللغوية، وبعض الدراسات اللغوية المختصة بتطور استخدامات الألفاظ وتغيرها بحذف بعض حروفها أو إبدالها أو دمجها مع غيرها من باب التسهيل في النطق على اللسان.
وبدون الدخول في التفاصيل ووجع الدماغ حول ما أصل الكلمة؟ وكيف تم إبدال بعض حروفها أو إقلابها… سألخص الأمر ببساطة شديدة.
مادة «كَرَدَ» في معاجم اللغة العربية تعني: «طَرَدَ». تقول: «كَرَدَه، وكَرَدَهم»، أي «طَرَدَه، وطَرَدَهم». يعني عندما يزعجك ابنك في البيت تقول له: «هتسكتْ وللا أَكْرُدَك»؟ بالمناسبة في صعيد مصر يقولون في الموقف ذاته: «هتسكت وللا أظْعُطَك.. وللا أظُطّك»، أي أطرُدك. ظَعَطَه أو ظَطَّه من العمل أي طَرَدَه منه.
أما المصدر من «كَرَدَ» فيأتي على مبنى واحدٍ، وهو «الكَـرْد»، لكن له معنيان:
الأول: أصله عربيٌّ؛ فـ «الكَـرْد» بسكون الراء بمعنى «الطَّـرْد»، مصدر «طَرَدَ»، ومنها «المُكارَدَة»، بمعنى «المُطارَدَةَ».
والمعنى الآخر: مستعرب؛ وفيه «الكَـرْد» بسكون الراء أيضا بمعنى «العُـنُـق». فمثلا يسألُ داعشيٌّ كبيرٌ داعشيًّا صغيرًا: «ماذا فعلتَ بهذا الليبرالي الذي يدعو إلى التنوير؟ يُجيب الداعشيّ الصغير: «لقد قطعتُ كَـرْدَه»، أيّ «قطعت عُـنُـقـه». فيتأففُ الداعشي الكبير معاتبًا: «كنتُ أودُّ كَـرْدَه إليَّ ليلةً ينام معي فيها»!! فيرد عليه الداعشي الصغير: «لا؛ إن له عضوًا ذكريًّا يستطيعُ أن يَــكْـرُدك إلى القبر». فيسألُ الداعشي الكبيرُ: «وماذا عن زوجة هذا الليبرالي»؟ فيجيبه الداعشي الصغير: «إن له زوجة واحدة، تقطع دُبُـر كلَ من يحاولُ أن يقتربَ منها». حينئذ ارتجف الداعشي الكبير من الرعب وصاح: «اكْرِدُوها (اطردوها) خارج دولة الخلافة. أنقذوني؛ فإن حنجرةَ كَــرْدِي (عنقي) سقطتْ في فتحة شَرَجي، فأغلقتها».
أما كلمة «كُرْد»، أو «كورد» فهي غير عربية. ولا يقصد بها سوى الشعب الكُردي الذي يعيش على أرضه “كردستان” المقسمة رباعيًّا على الحدود السياسية لكل من العراق وتركيا وسوريا وإيران منذ اتفاقية سايكس/بيكو وحتى الآن.
بعد هذا التأصيل، من أين أتى المصريون بكلمة «استكردني»؟
أشار ابن إياس والجبرتي وغيرهما من مؤرخي بدايات العصر الحديث في مصر أن الكُرد في مصر في العصور الوسطى كانوا يعملون بالتجارة، وكانوا مهرة في ذلك بيعًا أو شراءً، وكانوا يغلبون المقابلَ بمهارة وذكاء، ولذلك عندما يشتري مشترٍ سلعةً من بائع ما، ويشعر بأن البائع قد غلبه أو يريد أن يغلبه، يقول له «إنت استكردتني»، أي «غلبتني»، أو يقول له: «إنت هاتستكردني»؟! أي «هل تريد أن تغلبني»؟! أي أن الشخص الكردي في هذا الحالة فاعلٌ وليس مفعولاً به.
وفي رأيي ليس لمصطلح «استكردني» علاقة بالشعب الكردي؛ إذ إن المصطلح يعود إلى الجاليات اليونانية التي كانت موجودة بمصر، وخاصة بالأسكندرية. ومن المعلوم أن من مفردات اللغة اليونانية كلمة «كُوروديا»، بمعني «ساذج قليل الفهم، يُمكن خداعة بسرعة». وكان بعض المصريين يستأجرون اليونانيين للعمل عندهم، وإذا حاول مصريٌّ خداع عاملٍ يونانيٍّ في أُجْرته، قال العامل لمستأجره المصري: «إنت فاكرني كُوروديا؟ أنا مش كوروديا يا خبيبي». يعني أنا لست ساذجًا. فانتشرت في مصر كلمة «أنا مش كوروديا» ولا يزال بعض المصريين يستخدمونها. وبتقادم الأيام بدأت تدخل عليها عمليات التحريف اللغوي حسب لهجة كل مدينة. فقيل: «مش كوروديا»، و«مسكوروديا» …إلخ.
وعند المصريين يستخدمون كثيرًا حروف الافتعال «است» التي تدخل على أول الفعل، مثلا نقول: «إنت بتستعملني»، «إنت بتستغفلني». فاستخدمت مع كلمة كوروديا فقيل لفترة: «استكوروديا»، ولاتزال مستخدمة حاليًا في بعض القرى المصرية. ولما كانت ثقيلة في النطق دخلت عليها عمليات الحذف والإبدال، فحذف حروف العلة الموجودة بالكلمة، وأدخلت في آخرها نون الوقاية ثم ياء المخاطب، حتى وصلت إلى «استكردني».
وهناك بعض الآراء والتفسيرات الأخرى التي نخلص من مفادها عدم قصد المصريين في استخدامهم جملة «استكردني» أن مرجعها على الشعب الكردي؛ فما بين مصر والكرد علاقات طويلة الأمد قوية الأواصر والتلاقي، ولا تتيح أبدًا أن يستخدم المصريون أي لفظ يُنقص من الشعب الكردي. كيف ذلك وأن بصمات الكُرد الحضارية واضحة في مصر من عصر الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وتُوّج ذلك بأن مصر الحديثة تأسست على يد كردي الأصل هو محمد علي باشا الذي يعود أصلة إلى ديار بكر في شمالي كردستان، واستعان في بناء هذا الدولة بالكثير من القادة من أبناء جنسه. ولا تزال مصر تدين للكثير من بنيها من أصل كردي في نهضتها الثقافية والفنية والمعرفية.
*الكاتب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر خبير بشؤون الشرق الأوسط
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع