تُمثل ظاهرة تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة الأفريقية تحديًا مركبًا يتجاوز حدود القانون الدولي إلى أسئلة وجودية حول مفاهيم البراءة والمسئولية وإعادة التأهيل. فالقارة الأفريقية، التي تستضيف حوالي 40% من إجمالي الجنود الأطفال عالميًا، ليست بالضرورة بؤرة شاذة لظاهرة عالمية تمتد إلى 86 دولة، بل هي مسرح لصراعات معاصرة كشفت عن محدودية المقاربات التقليدية التي تختزل هؤلاء الأطفال في ثنائية الضحية والجاني. وتكمن الإشكالية الأساسية في أن نظرتنا إلى هؤلاء الأطفال تتأرجح بين صورتين متناقضتين: فهم ضحايا عاجزون يستحقون الحماية في السياقات التقليدية للصراعات المسلحة، بينما يتحولون في سياق الجماعات المصنفة “إرهابية” إلى تهديد أمني وجودي يستوجب المواجهة، وكأن الإرهاب يلغي طفولتهم ويفرغ اتفاقيات حماية الطفل من محتواها.
تفكيك نموذج الضعف: عندما يتحول الضحايا إلى جناة
يُشكل نموذج “الضعف” الذي تبناه القانون الجنائي الدولي، ولا سيما في المادة 26 من نظام روما الأساسي، إشكالية معرفية وتطبيقية في السياق الأفريقي. فالحالة القضائية للقائد السابق في جيش الرب الأوغندي دومينيك أونغوين، الذي اختُطف طفلاً ثم أصبح مجرم حرب، تضع المحكمة الجنائية الدولية أمام تناقض منهجي: كيف نحاكم من جُرِّد من إرادته وهو طفل على أفعال اقترفها وهو بالغ؟ والأكثر إرباكًا هو واقع الحال في صراعات سيراليون وأوغندا والكونغو الديمقراطية، حيث ارتكب هؤلاء الأطفال -الذين اختُطف معظمهم قسرًا- أعمال عنف وحشية ضد مجتمعاتهم المحلية وأسرهم أحيانًا، ليصبحوا عالقين في ما يسمى “انعكاسات الدور” Criminological Role Reversal حيث يتحول الضحية إلى جَلاد، وتنعكس العلاقات الاجتماعية الرأسية على أفعالهم. هذا الواقع لا يدعونا فقط إلى إعادة النظر في مفهومي الإرادة الحرة والمسؤولية الجنائية، بل يكشف عن محدودية المقاربات النفسية التقليدية التي تتعامل مع الصدمة كحالة فردية، متجاهلة أن هذه الجماعات المسلحة طورت عمليات تنشئة اجتماعية عسكرية مكثفة تنتج هويات جديدة مقاومة لإعادة التأهيل.
سيراليون: مختبر تحول الهوية من الخوف إلى العنف التلقائي
في الحرب الأهلية السيراليونية (1991-2002)، تقدم الجبهة المتحدة الثورية نموذجًا بالغ الدلالة على كيفية إنتاج إرهابيي الغد من ضحايا اليوم. لقد اختُطف غالبية الأطفال قسرًا، وأُخضعوا لنظام عقابي يومي يجمع بين الحرمان والاعتداء الجسدي والجنسي، ثم أُجبروا تدريجيًا على تنفيذ أعمال عنف متصاعدة تبدأ بحراسة المعسكرات وتنتهي بقيادة مجازر جماعية. تكشف شهادات هؤلاء الأطفال عن تحول نفسي مرعب: من الرفض والاشمئزاز من حمل السلاح، إلى التكيف القسري، ثم إلى مرحلة التلذذ بارتكاب العنف. هنا يظهر الإشكال العميق في تصوير وسائل الإعلام والأكاديميا الغربية لهؤلاء الأطفال كـ”برابرة غير متحضرين”، فهذا الخطاب المريض Pathologizing Discourse لا يتجاهل فقط الظروف القهرية لإنتاج هذا العنف، بل يعيق بشكل مباشر عمليات إعادة الدمج المجتمعي، إذ يعيد إنتاج وصمة لا تُمحى تجعل المجتمعات المحلية تنظر إلى أطفالها كوحوش لا كضحايا عالقين في آلة الحرب.
أوغندا والكونغو: التنشئة الاجتماعية العسكرية وإنتاج الولاء المستحيل كسره
يُقدم جيش الرب للمقاومة في أوغندا، المصنف إرهابيًا أمريكيًا وأفريقيًا، حالة متطورة من هندسة الولاء القسري. فمن بين 60-80% من قواته من الأطفال المختطفين، استطاع عبر آليات العزل الاجتماعي الصارم، وقطع الروابط الأسرية، واستخدام السحر والطقوس الغيبية، وإعادة التسمية والهوية، أن يحول المخطوفين إلى جنود مخلصين لا يرغبون في العودة. هذا “الغراء الاجتماعي” الذي يحافظ على تماسك الجماعة يمثل هزيمة ضمنية لنظريات الاختيار العقلاني في العلوم السياسية: كيف يظل الطفل وفيًا لخاطفيه؟ المفارقة المأساوية أن برامج إعادة الدمج الدولية التي مُوّلت بسخاء في شمال أوغندا تراجعت فجأة مع انتقال الصراع إلى جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، لتكشف عن انتهازية المانحين وغياب استراتيجيات الانتقال من مرحلة الطوارئ إلى التنمية المستدامة. في الكونغو الديمقراطية، حيث تشير التقديرات إلى 7 آلاف طفل مجند شرق البلاد، نجد أن استمرار الظاهرة رغم القوانين المجرِّمة يعكس فشل الدولة وليس فقط همجية الميليشيات؛ فالطفل الذي يُجند اليوم هو ابن المقاطعات المهمشة التي تخلت عنها السلطة المركزية لعقود.
الاستنتاجات: نحو مقاربة متعددة المستويات تتجاوز ثنائية الضحية/الجاني
تؤكد دراسات الحالات الثلاث أن إشكالية الجنود الأطفال في أفريقيا لا تُحل عبر التصنيفات القانونية الجامدة، ولا عبر الحملات الإعلامية المؤقتة، ولا عبر برامج نزع السلاح والتسريح المنفصلة عن سياقاتها المجتمعية. إن ما نحتاجه هو مقاربة متعددة المستويات: أولاً، إعادة تأهيل الخطاب حول هؤلاء الأطفال في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية، ليس كـ”جناة صغار” أو “ضحايا خالدين”، بل كمنتجات معقدة لأنظمة عنف تتجاوز الفرد إلى الجماعة والدولة والنظام الدولي. ثانيًا، تطوير آليات قضائية انتقالية هجينة تأخذ في الاعتبار خصوصية هذه الحالات، لا عبر إفلاتهم من المساءلة ولا عبر محاكمتهم كبالغين. ثالثًا، ربط برامج إعادة الدمج بإصلاحات اقتصادية-اجتماعية جذرية في المناطق المنتجة للصراع، لأن الطفل الذي يعود إلى قرية بلا مدرسة ولا مستشفى ولا فرصة عمل هو مرشح مثالي لإعادة التجنيد. وأخيرًا، فإن استمرار الظاهرة رغم 37 عامًا من التشريعات والمؤتمرات الدولية يضع علامات استفهام كبرى حول إرادة المجتمع الدولي الحقيقية في حماية الطفولة الأفريقية، حين تظل تجارة السلاح والتنقيب عن المعادن في مناطق الصراع أكثر ربحية من تعليم الأطفال الأفارقة وتأهيلهم.
*الكاتبة مدرس العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع