الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

أحمد نصر يكتب: جسور التعافي.. استراتيجية الابتكار الاجتماعي لحماية الأسرة وتحصين الأجيال

استراتيجية الابتكار الاجتماعي لحماية الأسرة وتحصين الأجيال

​يقف المجتمع اليوم أمام تحديات مفصلية تتداخل خيوطها بشكل عضوي، حيث لم يعد الطلاق مجرد انفصال قانوني، بل صار شرارة قد تشعل أزمات نفسية لدى أطفال الشقاق، وتخلق فجوات عاطفية قد تقود الشباب نحو منزلقات الإدمان المظلمة. إن مواجهة هذا الثالوث تتطلب منا تجاوز الطروحات الوعظية التقليدية نحو حلول هندسية واقعية تعيد بناء الجسور المحطمة، وتبدأ هذه الرحلة من لحظة التأسيس، حيث يتوجب تحويل مفهوم الزواج من مجرد عقد مدني إلى “استحقاق معرفي” يتطلب اجتياز دورات تأهيلية محاكية للواقع، تُخضع المقبلين على تكوين أسرة لاختبارات توافق سيكولوجي وإدارة للأزمات، مما يضمن تصفية العلاقات الهشة قبل أن تتحول إلى بيوت متصدعة.
​وعندما تصل العلاقة الزوجية إلى طريق مسدود، تبرز الحاجة الماسة لابتكار منصات وساطة أسرية ذكية، تعمل كحائط صد أخير قبل ردهات المحاكم، لتقديم حلول موضوعية تجرد الخلاف من طابعه الثأري وتوجهه نحو “التسريح بإحسان”. هذا الوعي في الانفصال هو الذي يحمي “أطفال الشقاق” من أن يكونوا وقوداً لصراعات الكبار، ومن هنا تأتي ضرورة صياغة ميثاق قانوني إلزامي للرعاية الوالدية المشتركة، يضمن للطفل استقراراً نفسياً وتعليمياً بعيداً عن كيد الخصوم، ويحول مراكز الرؤية من نقاط تماس أمنية كئيبة إلى فضاءات ترفيهية وتربوية تهدف لترميم العلاقة الإنسانية بين الطفل ووالديه، مهما كانت الظروف المحيطة.
​إن حماية هؤلاء الأطفال من التشتت العاطفي هو في جوهره تحصين مبكر ضد آفة الإدمان، التي غالباً ما تتسلل من ثقوب الحرمان والضياع الأسري. وللحد من انتشار هذه الظاهرة، يجب الانتقال من سياسات الوصم والعقاب إلى استراتيجيات “اقتصاد التعافي”، عبر تدشين حاضنات أعمال ومشاريع إنتاجية مخصصة للمتعافين، تربط رحلة العلاج بمسار مهني يمنح الفرد كرامة مالية وهدفاً وجودياً يمنعه من الانتكاس. كما يبرز دور التكنولوجيا الحديثة كأداة وقائية لا غنى عنها، من خلال توظيف الواقع الافتراضي في المدارس لخلق تجارب حسية صادمة تظهر مآلات الإدمان بشكل ملموس، مما يبني وعياً ذاتياً يتفوق على أساليب النصح التقليدية التي لم تعد تجد صدى لدى الأجيال الرقمية.
​خاتمة واستشراف
إن العبور بالمجتمع نحو ضفاف الأمان يتطلب تكاتفاً يتجاوز الشعارات إلى صياغة ميثاق أخلاقي وقانوني جديد، يبدأ بفرض برامج تأهيلية إلزامية ومعمقة للمقبلين على الزواج لضمان نضج الاختيار، مع ضرورة تفعيل منظومة الوساطة الأسرية الذكية كخطوة استباقية تقارن الخيارات المتاحة قبل اللجوء للقضاء. وفي الوقت ذاته، يتحتم تبني نموذج الرعاية الوالدية المشتركة كإطار قانوني لا يقبل القسمة، يضمن للأبناء بيئة محايدة، بالتوازي مع إطلاق مبادرات وطنية تحتضن المتعافين من الإدمان وتوفر لهم فرص عمل كريمة تعيد دمجهم في النسيج المجتمعي كعناصر فاعلة. إن استثمار التقنيات الحديثة في التوعية والرقابة الواعية يمثل حجر الزاوية في تحصين الحاضر، لنخلص إلى أن بناء الإنسان ومداواة جراحه الاجتماعية هو الاستثمار الأسمى الذي يقينا عثرات المستقبل ويضمن استدامة الاستقرار في قلب كل بيت

*الكاتب محام بالنقض وخبير حقوقي