الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

أحمد نصر يكتب: النقابات المهنية المصرية بين إرث الدور الوطني ومأزق التحول الهيكلي

تُعد النقابات المهنية في مصر ركيزة أساسية في الهيكل الاجتماعي والسياسي للدولة، فهي ليست مجرد كيانات خدمية، بل هي “قوة ناعمة” ومراكز خبرة تلعب أدواراً متشابكة. ويتسم واقعها في اللحظة الراهنة بتعقد بنيوي ناتج عن تداخل الأدوار التاريخية مع التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة، فهي لم تعد مجرد كيانات تهدف لحماية مصالح أعضائها في إطار ضيق، بل أصبحت تمثل ساحة لاختبار التوازن بين استقلالية المجتمع المدني وبين متطلبات الاستقرار الوطني وتوجهات الدولة التنموية.
إن العمق التحليلي لهذا الواقع يكشف عن حالة من “الارتباك الوظيفي”؛ حيث تجد النقابات نفسها محاصرة بين مطرقة تزايد أعداد الخريجين بشكل يفوق قدرة صناديقها الخدمية على الاستيعاب، وسندان التضخم الذي تسبب في تآكل القيمة الشرائية للمعاشات والخدمات الصحية المقدمة، مما حول العمل النقابي في الكثير من الأحيان من صياغة رؤى استراتيجية لتطوير المهن إلى إدارة يومية للأزمات المالية وتسيير الخدمات اللوجستية الأساسية. ومن الناحية الهيكلية، تعاني النقابات من فجوة جيلية واضحة، حيث يسيطر الجمود التشريعي على قوانينها التي وضع أغلبها في عقود سابقة ولم تعد تلبي طموحات الأجيال الشابة التي تبحث عن نقابة تكنولوجية توفر لها الحماية في سوق عمل مرن وعابر للحدود، وهو ما أدى إلى تراجع نسب المشاركة في الجمعيات العمومية وضعف الاهتمام بالعمل العام لصالح الحلول الفردية.
وعلى الصعيد السياسي، تمر النقابات بمرحلة انتقالية تحاول فيها إعادة تعريف دورها كشريك في البناء القومي من خلال “الحوار الوطني” وتقديم الخبرات الاستشارية للمشاريع الكبرى، مع الحفاظ على مسافة تسمح لها بنقد السياسات التي قد تمس حقوق أعضائها أو تضر بمستوى المهنة، وهو توازن دقيق يتطلب قيادات نقابية تمتلك مهارات التفاوض السياسي بقدر ما تمتلك الكفاءة المهنية. إن الدور الوطني للنقابات يتجاوز فكرة الانحيازات الأيديولوجية ليكون بمثابة “صمام أمان” للطبقة الوسطى، فقدرة هذه المؤسسات على ضبط أخلاقيات المهنة وضمان كفاءة ممارسيها في مجالات حيوية كالطب والهندسة والمحاماة هي في حد ذاتها حماية للأمن القومي المجتمعي.
ولأجل تجاوز هذه الأزمات في المستقبل القريب، تتطلب المرحلة المقبلة انتقالاً جذرياً في فلسفة العمل النقابي عبر تبني حزمة من التوجهات الاستراتيجية؛ يأتي على رأسها الإصلاح التشريعي الشامل لصياغة قوانين عصرية تمنح هذه الكيانات مرونة أكبر في إدارة مواردها وتواكب التوظيف الرقمي. كما يبرز التحول نحو الاستثمار التنموي كضرورة قصوى لتنويع مصادر الدخل، بحيث تتحول الصناديق النقابية إلى محافظ استثمارية ذكية تضمن استدامة الرعاية في مواجهة التقلبات الاقتصادية.
وعلى صعيد البنية البشرية، تبرز الحاجة الملحة إلى ردم الفجوة الجيلية عبر الرقمنة الكاملة للخدمات وخلق مسارات حقيقية لمشاركة الشباب في صنع القرار. كما يجب تعزيز الاستقلالية المهنية كمدخل للشراكة الوطنية، لتعود النقابة “بيتاً للخبرة” يقدم المشورة العلمية للدولة، مع ضرورة إحياء الدور الثقافي والتدريبي عبر مراكز تميز تعيد تأهيل الكوادر لمواكبة الثورة التكنولوجية. إن استعادة النقابات لبريقها هو الضامن الحقيقي لجودة الكفاءة البشرية المصرية، والركيزة الصلبة التي تستند إليها الدولة في مسيرتها نحو التنمية المستدامة

*الكاتب محام بالنقض وخبير حقوقي