الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

حسين متولى يكتب: “المسحور” والدجالون بيننا.. والمؤمنون بهم

حسين متولى عن رواية “المسحور” للكاتب الصحفي إبراهيم شعبان

قبل 11 عاما، وقفت ابنة مهنة مؤثرة في تشكيل الوعي تبكي أمام المحكمة قبل انسحابها هاربة وتركها دعوى التطليق للشطب، تسمع على لسان زوجها ما أثار تعجب وسخرية الحضور المتفاعلين معه والمشدودين نحو طريقته الاستعراضية بينما يطلق تساؤله “وهل تخشى أن تقيم حدود الله من تذهب إلى منطقة الشرك به؟”.
كان اصطناع رد الفعل حاضرا لكنها انهارت نهاية المشهد، قبله بأيام واجهها بما فعلت فكان ردها “أيوه باروح لدجالين أنا وعيلتي وممكن أربطك لو تحب كمان!!”، بينما كانت كلماته تشبه ثباته مع ابتسامة الواثق بالله ثم نفسه “ومن قال لك إن الضرر يقع بغير إذن الله، أو أنه عز وجل لا يصون المخلصين من عباده؟! لقد حصلت وأهلك على الستر بغير سحر ولم ينفعك فيه دجال بلدتك أو غيره، لكنكم لا ترتضون لأنفسكم غير الفضيحة وستنالونها بأعمالكم يوما”.
بين المشاهد الواقعية والخيال الذي يؤسس له صاحب رواية “المسحور” الصادرة عن دار الباسل للنشر، الكاتب الصحفي إبراهيم شعبان، تظهر الفانتازيا صراحة في سلوك البشر وقناعاتهم، وليست في سطور الكاتب الذي يقنع قراءه بقبول النيابة العامة فكرة “سخط” أبو داود دجال المنيا للشاب “سعيد” حداد إحدى قرى الباجور بالمنوفية، خدمة لتلميذه الدجال الأقل درجة حفني، بعد أن جاهر الحداد بالزنا مع زوجة الأخير، فتحول إلى ما يشبه كلب البحر، وبعد أسابيع من اختفائه حضرت النيابة رفقة المتهم ورجال الشرطة لمعاينة هيئته الجديدة، بعد اقتناعها بما رواه حفني عن عقابه له، وإيمانها بسطوته استنادا إلى شهادات زوجته وأهل القرية كلهم حوله.
حفني في رواية “المسحور” يبدو تلك الشخصية المرعبة التي تعلمت الدجل وورثته عن نصاب راحل، حتى صبيه سيد باشر الحبكة والاشتغالة في غيابه عند تلبية طلب امرأة بدعم ابنتها الساعية للإنجاب، ففي مثل هذه المجتمعات تجد اللجوء للغيبيات غاية والدفاع المزعوم عن شرف العائلات وسيلة لهتك عرض عروس ليلة الدخلة أو بعدها للتباهي بمنديل تلوث بياضه الناصع قطرات من غشائها، لتصرخ حوله نساء عائلتها “دم البت الفلاحة أحمر زي التفاحة” كما يحلو لهن الغناء.
بعيدا عن تقييم “المسحور” كعمل أدبي، نجد كاتبها يقتحم بشجاعة منطقة شائكة في حياة كثيرين ومعتقداتهم في الحل والعقد، خاصة في الريف بوجهيه، وهو ابن الباجور موطن وجغرافية روايته، فجميعنا بات يردد أسبابا لضيق الحال أو غياب السعادة أو شيوع الفراق مقترنة بالحسد أو السحر، وكثيرون ذهبوا في هذا الطريق طلبا للحل أو سعيا لأذى الغير، بل تباهى بعضهم جهرا بهذا الأمر، وأصبحت قناعته تامة بأن دجالا أو مشعوذا له القدرة على الفعل، مكتفين في النهاية بإسناد وجود السحر والجن وسيرتهما في القرآن الكريم، دون أن يكملوا تفسيره أو يتتبعوا آياته للنهاية.
تقديرات للإنفاق على الدجالين ذكرت تقارير صحفية قبل عشر سنوات أنها تجاوزت ٨٠ مليار جنيه، تمثل فاتورة استنزاف الذاهبين إلى هذا الطريق وذاك المعتقد، وجرائم اقترنت بتوجهاتهم كهتك عرض النساء على أيدي الدجالين، أو التضحية بأنفس في الوصول إلى “المساخيط” عند التنقيب عن الآثار كما صورها كاتب رواية “المسحور”.
طاقة سلبية تنبعث في محيط ذكر هذه السيرة عند من عايشوها أو طالعوا سطورا حولها أو شاهدوا أفلاما، ومن منا لم يحلم بالعفاريت بعدما شاهد ذات مساء فيلم “الإنس والجن” للفنان عادل إمام، أو “التعويذة” للفنان محمود ياسين، وبطلة العملين النجمة يسرا، وقد حكى لي أحد الأقرباء ببلدة عائلتي عن سيرة من حضرت إليه فنانة شهيرة بعدما ضاق بها الحال فلازمت بعد زيارته كل عمالقة التمثيل ولا تزال، وكم من أبناء عائلات ثرية ومشاهير صدقوا مزاعمه وتبركوا بأحجبته، كما اشتهت نسوة وطلب رجال تفعيل أعمال أقرانه السفلية في الجلب أو الأذى، وكانت المقابر أغلب الأوقات مكانا مناسبا لدفن وإخفاء أوراق الضرر المزعوم.
يا الله، ما هذه الأسباب التي بات أناس بجاهرون بقوتها وفاعليتها، حتى نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وما هذا الاستسلام للغير من البشر أمام رفضهم الخضوع لإرادة الله وقوته، ولماذا كل هذا الشرك في تقديم وتفضيل قوة مخلوقات أمام عظمة قوة الخالق، وقد ظلت نعمته في السراء والضراء حاضرة مع كل دعاء؟.
مناطق الهروب من رقابة المجتمع ذاته على المبدع والكاتب حاضرة متى قرر رصد ما في محيطه من سوءات، فعادة نجد زمار الحي لا يطرب، فثلاثية نجيب محفوظ قد لا يلتفت إليها محيطه إلا بعدما يحمل لقب صاحب نوبل، لكن سيرة “حفنى” دجال رواية “المسحور” وبطلها الأول، مكررة مستنسخة في كل مجتمع ومجال، تتبدل ألوانها وتتزين أشكالها، ولا تخطئ العقول سمات مشتركة بينها جميعا، متى مارست الكذب والاحتيال ووجدت مريديها ومبرري أفعالها أيضا، فالمؤمنون بحفني كثر، وهم وحدهم من يعظمون دوره ويعززون حضوره في كل مجال وزمان ومكان، وتلك معضلة المجتمعات المريضة وآفة المتمارضين فيها للأبد، وقد أراد الكاتب إبراهيم شعبان إسقاط شخصية حفني على كثيرين من هذه النسخة حوله، في عوالم مختلفة، كالسياسة والإعلام والدعوة وغيرها.