تترقب العواصم الكبرى مع انتصاف شهر فبراير 2026 مشهداً جيوسياسياً هو الأكثر تعقيداً وخطورة منذ عقود، حيث لم يعد “شبح الحرب المفتوحة” مجرد تحذير ديبلوماسي، بل تحول إلى واقع ملموس يفرض نفسه فوق مياه الخليج العربي ويمتد بظلاله القاتمة لغمر منطقة الشرق الأدنى برمتها. إن القراءة المتفحصة لخرائط التحركات العسكرية تشير إلى أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة “العد التنازلي”، حيث تآكلت قواعد الردع التقليدية أمام رغبة الأطراف المتصارعة في حسم الملفات العالقة، مما جعل كلفة الانتظار في نظر الكثيرين تفوق كلفة المواجهة المباشرة، واضعاً الملاحة الدولية واستقرار الطاقة العالمي في مهب ريح عاتية.
وفي قلب هذا الاستنفار، تبرز مياه الخليج العربي كساحة أولى محتملة للانفجار، حيث تحول مضيق هرمز من شريان حيوي للاقتصاد إلى “صندوق بارود” ينتظر شرارة عابرة. فالحشود العسكرية الأمريكية والأوروبية غير المسبوقة، التي يقابلها استنفار صاروخي ومناورات هجومية إيرانية، تضع المنطقة أمام سيناريو “الحرب بالصدفة” أو نتيجة سوء تقدير ميداني. وإذا ما انطلقت الرصاصة الأولى، فإن الجغرافيا السياسية تفرض تمدداً فورياً للصراع ليشمل الهلال الخصيب وشمال أفريقيا، ضمن استراتيجية “وحدة الساحات” التي قد تحول النزاع الملاحي إلى حرب إقليمية شاملة تحرق الأخضر واليابس وتغير خرائط النفوذ بالدم والنار.
أما البعد الدولي لهذه الأزمة، فيتجلى في دخول روسيا والصين كلاعبين مباشرين عبر مناورات “حزام الأمن 2026″، وهو ما يمثل رسالة توازن قوى صريحة لواشنطن مفادها أن سقوط حلفاء الشرق لن يمر دون ثمن باهظ. هذا التجاذب الدولي يلقي بظلاله الثقيلة على أسواق الطاقة، حيث تعيش البورصات حالة من “حبس الأنفاس” ترقباً لقفزة جنونية في أسعار النفط قد تتجاوز حاجز المئة دولار للبرميل في حال تعطل الإمدادات عبر المضيق، وهو ما يمثل “سكتة قلبية” للاقتصاد العالمي الهش الذي لا يتحمل صدمة جديدة في تكاليف الطاقة.
إن الأسابيع المقبلة تمثل بلا شك “ساعة الحساب” أو نقطة التحول الكبرى؛ فالمسارات الدبلوماسية الخلفية في عُمان وجنيف وصلت إلى منعطفاتها الأخيرة، وبات الجميع فوق “أعلى الشجرة” دون وجود سلالم واضحة للنزول دون فقدان الهيبة الاستراتيجية. نحن الآن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما انفراجة كبرى ناتجة عن “تسوية تحت النار” تعيد ترتيب أوراق المنطقة، أو انزلاق دراماتيكي نحو صدام واسع النطاق سيعلن ولادة نظام عالمي جديد من رحم الركام، مما يجعل كل ساعة تمر بمثابة اختبار حقيقي لإرادة السلم وقدرة القوى الكبرى على لجم الاندفاع نحو المجهول.
*الكاتب محام بالنقض وخبير حقوقي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع