خلف جدران “جنة القسوة”.. لماذا غاب الوفاء وحكمت المصالح حياتنا؟
تنطلق صرخة الفنان طارق الشيخ في أغنيته “حالياً بالأسواق” لتشخص حالاً إنسانياً مأزوماً، حيث لم يعد السوق مجرد حيز لتبادل البضائع، بل استحال غابةً تُعرض فيها المبادئ والمشاعر في مزادات المصالح. إننا أمام مشهد درامي يصور تحول الوجود من “القيمة” إلى “الثمن”، حيث يُقاس المرء بما يملك لا بما يمنح، وحيث أصبحت الفضائل مثل الإخلاص والوفاء مجرد “موضة قديمة” لا تجد لها مشترياً في عصر السرعة والغدر. هذا الوجع النابض في الكلمات ليس مجرد شكوى، بل هو ضريبة الوعي في زمن قرر فيه الجميع ارتداء الأقنعة؛ فالظلام الذي تصفه الأغنية ليس له كينونة مستقلة، بل هو تجلٍ صارخ لغياب النور الإنساني، وحزننا على رحيل الأخلاق هو الدليل الأكبر على أنها لا تزال تسكننا، فالميت لا يبكي موته، بل الحي هو من ينعى الفقد.
يتوغل النص في تشريح “سيكولوجية الانكسار”، واصفاً فئة من البشر احترفت “قتل الحقوق” وقطع الأرزاق، وكأن الأذى صار مهارة تُكتسب وشطارة يُفتخر بها. وتصل ذروة المأساة عند كسر أقدس الروابط الشعبية، وهي “العيش والملح”، مما يعكس حالة من الفوضى الأخلاقية حيث لا عهد ولا أمان حتى مع من شاركتهم خبز يومك. بل إن الأمر امتد ليطال أسمى العواطف البشرية؛ فالحب في “جنة القسوة” تحول إلى علاقة تعاقدية مادية، تُحدد بورصة الأموال قدرته وديمومته، فمن يدفع أكثر يُحب أكثر، في مشهد يختزل الإنسان إلى مجرد رقم في دفتر الحسابات، ويحول الصداقة إلى أداة نفعية تسقط عند أول اختبار حقيقي للأزمات.
ورغم هذا التوصيف القاسي لواقع مرير، إلا أن فلسفة الحياة تخبرنا أن دوام الحال من المحال، وأن كشف هذا الزيف هو الخطوة الأولى نحو التحرر منه. إن الذهب يظل ذهباً وإن غطاه غبار الأسواق، والأصالة لا تنتهي صلاحيتها أبداً مهما تبدلت الموضات. فكما ورد في طيات الكلمات، فإن “من نفس الكأس هيدوق”، وهو قانون الارتداد الكوني الذي يضمن أن الظلم لا يدوم وأن الخيانة مآلها الوحدة والمرارة. إن النقاء الذي يجعلك تتألم اليوم هو حصنك المنيع، فالشمس لا تستأذن أحداً لكي تشرق من جديد، وغداً يذهب الزبد جفاءً ويبقي في الأرض ما ينفع الناس من صدق ومحبة، ليأتي العوض من قلوب تشبه نقاءك، وتعيد لك الإيمان بأن الخير باقٍ ما دامت السماوات والأرض
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع