جذور النزاع الحدودي بين العراق والكويت ومراحله ومآلاته
لم يكن التحرك العراقي الأخير بإيداع إحداثياته الجديدة بشأن حدوده البحرية مع الكويت بالأمر الجديد؛ فمسألة النزاع الحدودي بين البلدين مسألة قديمة تجاوزت قرنًا من الزمان. لكن الجديد هذه المرة هو تجددها في ظل ظروف حامية وملتهبة تمر بها المنطقة والعالم، والبلدان المذكوران من أكثر البلدان تأثرًا بها كونهما في بؤرة الجغرافيات الرخوة والمتغيرة في حال فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وتفجّر البراكين العسكرية والسياسية الخطيرة، واستمرار مسيرة الشرق الأوسط الجديد.
فما جذور النزاع الحدودي (254 كم) بين العراق الكويت؟ وما أسبابه؟ ومن يتحمل مسؤولية وجوده، وتفاقمه، وإطالة مدته، وعدم إنهائه؟ وما مآلاته على البلدين والمنطقة في ظل التطورات الخطيرة الحالية والمستقبلية؟
يعود النزاع الحدودي بين الكويت والعراق إلى فترة الصراع العثماني البريطاني على الكويت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حتى عُقدت اتفاقية الخليج سنة 1913م التي كانت بمثابة اتفاقية ترسيم للحدود بين العراق والكويت، لكنها لم تُنفّذ بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى في السنة التالية، مع ذلك، فإنها وضعت تصورًا عامًا للجغرافية الكويتية، وكانت الأساس في ترسيم بريطانيا حدود البلدين بسهولة عقب اتفاقية لوزان عام 1923م، ذلك الترسيم الذي عدَّه العراق غير متناسب مع مساحته وإمكاناته؛ إذ لم يعطه إلا منفذًا بحريًّا ضيقًا بحسب اعتقاده.

ظل الأمر كذلك حتى تراجع الملك غازي (1933-1939م) عن اعتراف العراق بترسيم الحدود مع الكويت وطلب من بريطانيا عام 1938م ضم الكويت لبلاده معتبرًا إياها جزءًا من العراق، بدورها رفضت بريطانيا الطلب، ودعت إلى إجراء محادثات تمت عام 1939م، لكنها لم تأت بتغييرات محورية عما تم إقراره في الاتفاقيات السابقة ليبقى الحال على ما هو عليه حتى عام 1951م عندما اشترط العراق الموافقة على تأجير جزيرة (وربة) له من الكويت كخطوة حسنة نية لإجراء ترتيبات لازمة لترسيم الحدود بين البلدين، ومد الكويت بالمياه العذبة من العراق، وهو ما رفضته الكويت.
عند تشكيل الاتحاد الهاشمي في فبراير 1958م بين العراق والأردن طرح نوري السعيد – رئيس الوزراء العراقي – فكرة انضمام الكويت للاتحاد، وهو ما أثار حفيظة أمير الكويت عبدالله السالم (1950-1965م)، ولذلك كان من أكثر المرحبين بالثورة التي اشتعلت في العراق بعد خمسة أشهر من هذا الطرح، والمعروفة بثورة 14 تموز 1958م؛ بكونها وضعت حدًّا لمحاولة نوري السعيد ضم الكويت للاتحاد الهاشمي، إلا أن ذلك لم يمنع تفجر الأزمة مرة أخرى بين العراق والكويت مع إعلان الأخيرة استقلالها عام 1961م؛ إذ طالب عبدالكريم قاسم (1958-1963م) – رئيس وزراء العراق – بضم كامل الكويت إلى العراق بعد أن كان الخلاف في السابق بين البلدين حول مناطق محددة، وأعلن قاسم بكل وضوح أن الكويت جزء لا يتجزأ من العراق، وأن حاكمها بمثابة قائممقام تابع للبصرة، لكن الموقف البريطاني وجامعة الدول العربية التي اعترفت باستقلال الكويت ساندت الأخيرة سياسيًّا وعسكريًّا مما أدى إلى فشل مساعي عبدالكريم قاسم آنذاك، وصارت الكويت العضو رقم (111) في الأمم المتحدة، واضطر العراق بعد سقوط نظام قاسم عام 1963م إلى الاعتراف باستقلال الكويت وسيادته وفق ترسيم الحدود المفصل سنة 1932م
مع ذلك، لم يوقف العراق أطماعه في الأراضي الكويتية المحاددة وذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية، فعندما عزم على إنشاء مجرى عميق للمياه يربط ميناء أم القصر العراقي بخطوط البصرة وبغداد، اقترح عبدالسلام عارف (1963-1966م) على أمير الكويت عام 1965م أن يؤجر للعراق جزيرة (وربة) الكويتية لمدة 99 سنة؛ بحجة أن إنشاء المجرى المذكور لابد وأن يخترق أراضيها، لكن تم رفض الطلب من الكويت.

وفي عهد عبدالرحمن عارف (1966-1968م) تجددت أزمة الحدود بين البلدين في مسألتين، الأولى: في نوفمبر 1966م عندما اجتاحت قوات عراقية جزيرة (بوبيان) الكويتية احتجاجًا على مفاوضات كانت جارية وقتذاك بين إيران والكويت لتقسيم المجرى القاري بينهما دون مشاركة العراق فيها. والأخرى: حدثت في 18 أبريل 1967م بتوجيه العراق إنذارًا إلى الكويت تطلب فيه من الأخيرة إنزال علمها عن جزيرتي (وربة وبوبيان).
ومع بدايات عهد نظام البعث العراقي ضعف الموقف العراقي في الملاحة بشط العرب بعد إلغاء إيران اتفاقية سعدآباد 1937م المختصة بترسيم الحدود مع العراق وطالبت بأن يكون خط حدودها مع العراق هو منتصف شط العرب، مما دفع العراق إلى أن يطلب من الكويت السماح بتمركز قوات عراقية في شمال الكويت تحسبًا لأي هجوم إيراني على ميناء أم القصر، إلا أن الكويت لم تقبل بذلك أيضًا، فاحتل العراقُ عام 1973م مخفر (الصامتة) الواقع في منطقة غنية جدًّا بالنفط، وأعلن للجامعة العربية سحب اتفاقه مع الكويت المعقود سنة 1963م، ودعا إلى إجراء محادثات جديدة بشأن حدوده مع الكويت، لكن استطاعت الجامعة العربية احتواء الأزمة جزئيًّا بين البلدين، وانسحبت القوات العراقية من الصامتة عام 1975م، وبقيت قضية الحدود في جمود حتى انتهاء الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988م.
حاول الكويت عقبها أن تستأنف مفاوضات ترسيم الحدود إلا أن عراق صدام حسين (1980-2003م) لم يبدِ تجاوبًا لذلك، وعندما طلبت الكويت من العراق آنذاك التوقيع معها على معاهدة عدم اعتداء رفض العراق وكأنه كان يعد العدّة لأمر كبير، وهو ابتلاع كل الكويت! وهو ما بدأ بغزوها عسكريًّا واحتلالها أغسطس 1990م والإعلان بضمها رسمياً إلى العراق، لكنّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أدان الاحتلال وأصدر القرارين 660-662 معتبرًا ضم الكويت باطلاً، وهُزِم العراق في حرب دولية مدمرة، وخرجت قواته من الكويت بخسائر فادحة، واضطر تحت الضغط الدولي الاعتراف بالكويت عام 1993م، وتم ترسيم الحدود البرية دون البحرية بين البلدين في السنة نفسها بناءً على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 833، وتبقى الحدود البحرية دون حسم بشكل كامل بصورة يمكن من خلالها استئناف النزاع بين البلدين.
مع ذلك، لم تخفت النار بينهما وإن كانت تحت رماد، لتتجدد سياسيًّا وقانونيًّا في أعوام 2012م و2013م و2014م. وفي 2019م اتهمت بغداد الكويت بإجراء تغييرات جغرافية على الحدود البحرية بين البلدين، وقدمت شكوى إلى الأمم المتحدة بشأن انتهاك الكويت للحدود البحرية وإقامة مرافق الموانئ، وكان ردّ الكويت أنها تمارس سيادتها. وفي عام 2020م أيضا، اشتكت الكويت من تطوير ميناء الفاو العراقي، ولم يكن ردّ العراق مقنعاً بالنسبة للكويت.
وهكذا الحال! شكوى هنا، ورد هناك، والعكس. لكن من أكثر القضايا التي يختلف عليها الطرفان هي خور عبدالله ضمن الحدود البحرية بعد العلامة الحدودية 162 ومنطقة تسمى “فشت العيج”. ويعتقد العراق أن بناء الكويت «ميناء مبارك الكبير» يؤدي إلى تقليص جزء كبير من المياه الإقليمية وتضييق الممر المائي العراقي، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى حاجة العراق لأخذ الإذن من الكويت من أجل المرور. كما أن هناك خلافًا يتعلق بإنشاء الكويت جزيرة صناعية للضغط على المياه الإقليمية للعراق. وفي مجال الصيد البحري، يقوم خفر السواحل الكويتي في بعض الأحيان بإيقاف قوارب الصيادين العراقيين لدخولها المياه الإقليمية الكويتية بشكل غير قانوني، فتتهم النخبُ العراقية الكويت بمحاولة الحصول على المزيد من النقاط وحرمان العراق من المياه الحرة.
إن مسارات مراحل النزاع الحدودي بين البلدين تؤكد أن بريطانيا هي من صنعته، وأنها حرصت طيلة القرن الماضي على ديمومته واستفحاله وفق مقتضيات مصالحها الاستعمارية والنهبوية في المنطقة، وأن الولايات المتحدة قد ورثت تركتها في تعميق هذا النزاع وتعقيده، واستغلاله في فرض سياستها الترمبوية في المنطقة. يحدث ذلك في ظل عدم اهتمام الأمم المتحدة بالأمر، وفي ظل غياب العقل بين بعض قادة البلدين وتوابعهم، واستجاباتهم للفواعل الدولية، وعدم إدراكهم لمآلات تحركاتهم الخطيرة في هذا الملف.
تلك الخطورة التي تدركها مصر ومعها بعض الدول العربية بشكل ثاقب، وبالتالي نجدهم يطالبون البلدين بضرورة إعمال العقل، لاسيما في ظل الظروف العصيبة التي تمر بها المنطقة، وتمت دعوتهم بشكل جديّ إلى تفعيل سبل الحوار لحلحلة كل المشكلات والخلافات العالقة بينهما، فما يجمعهما أكثر مما يختلف عليه. ومصر بدورها أعلنت استعدادها التوسط بين البلدين لنزع فتيل هذه الفتنة؛ فمائة عام من الحوار خير من ساعة واحدة من الحرب، والبلدان أصحاب تجارب مريرة ومؤلمة بهذا الخصوص.
إن عدم حسم هذا الملف بين العراق والكويت سيهدم الكثير مما وصل إليه البلدان والشعبان من علاقات وتمثيل، وربما يكرر تجارب مرارات الحروب الماضية، وسيكون ضمن دائرة أبعاد السياسة الغربية/الإسرائيلية في شرق أوسط جديد!
*الكاتب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر وخبير بشؤون الشرق الأوسط
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع