السبت , 4 أبريل , 2026
أخبار عاجلة

زلزال “طهران” الارتدادي: حين يصبح “السلام الإيراني الإسرائيلي” كابوساً جيوسياسياً 

بقلم : أحمد نصر

​بينما تنشغل الدبلوماسية الدولية بمراقبة فوهات المدافع و توازنات الردع الراهنة في الشرق الأوسط، تدور خلف الأبواب المغلقة في القاهرة تساؤلات تتجاوز اللحظة العابرة، لتنقب في سيناريو يراه البعض خيالياً لكنه يمثل في جوهره التحدي الوجودي الأكبر للدور المصري التاريخي؛ وهو تحول إيران من “عدو لدود” إلى “حليف استراتيجي” للمنظومة الغربية وإسرائيل، تماماً كما كانت في عهد الشاه. إن هذا التحول المفترض ليس مجرد تغيير في نظام حكم، بل هو إعادة هندسة شاملة لخريطة النفوذ، حيث ستجد مصر نفسها أمام واقع يهدد بسحب البساط من تحت أقدامها كلاعب إقليمي لا غنى عنه، فالدولة التي استمدت ثقلها لعقود من كونها “صمام الأمان” و”الوسيط الوحيد” في أزمات المنطقة، قد تجد نفسها فجأة في مواجهة “احتكار ثنائي” جديد يجمع بين التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية والموارد الجيوسياسية الإيرانية الهائلة.
​هذا السيناريو المستقبلي ينطوي على مخاطر اقتصادية صامتة تبدأ من تهديد عرش قناة السويس، حيث إن عودة إيران للحضيرة الدولية كشريك لإسرائيل ستعجل بولادة ممرات تجارية برية وسكك حديدية تربط موانئ الخليج وبندر عباس مباشرة بحيفا والبحر المتوسط، مما يحول الشريان الملاحي المصري إلى ممر ثانوي للبضائع التقليدية بينما تتدفق تجارة “المستقبل” عبر المحور الجديد الذي يختصر المسافات ويتجاوز تعقيدات الملاحة البحرية التقليدية. ولا يتوقف الأمر عند حدود الاقتصاد، بل يمتد ليشكل “كماشة جيوسياسية” تخنق المجال الحيوي المصري؛ فبينما كانت القاهرة تناور في الفراغات التي يتركها الصراع الإيراني الإسرائيلي، سيؤدي تصالحهما إلى نشوء “حلف محيط” جديد يطوق القلب العربي، ويقلص من حاجة القوى الكبرى للدور المصري في ملفات شائكة كأمن البحر الأحمر أو التهدئة في غزة ولبنان، حيث سيصبح التنسيق المباشر بين تل أبيب وطهران هو المحرك الفعلي للأحداث.
​وفي مواجهة هذا الانكفاء الإجباري المحتمل، لن تكتفي القاهرة بدور المراقب، بل ستضطر للاندفاع نحو استراتيجية “البدائل الخشنة” لإعادة فرض توازن القوى، من خلال تحويل ثقلها نحو شرق المتوسط لبناء كتلة طاقة وأمن صلبة مع اليونان وقبرص وفرنسا، بالتوازي مع تعميق انخراطها في تحالفات الشرق الكبرى كـ “بريكس” ومنظمة شنغهاي، لتقديم نفسها كقاعدة لوجستية وحيدة للصين وروسيا في قلب العالم، رداً على تهميشها في المحور الغربي. إن الصراع القادم بالنسبة لمصر لن يكون صراعاً على الحدود، بل صراعاً على “الضرورة”، حيث ستحاول القاهرة بكل ثقلها الديموغرافي وتاريخها الدبلوماسي أن تثبت للعالم أن أي ترتيبات إقليمية تتجاوز ضفاف النيل هي ترتيبات هشة، وأن “الشرق الأوسط الجديد” لا يمكن أن يولد مستقراً إذا ما تم استبعاد المركز الذي منحه اسمه وتاريخه عبر العصور.