قراءة في تناقضات الوعود والواقع
في عالم السياسة، كثيراً ما تصطدم الطموحات الشخصية للقادة بجدران الواقع الصلبة. والحديث المتزايد عن سعي الرئيس ترمب لنيل “جائزة نوبل للسلام” يضعنا اليوم أمام مفارقة صارخة؛ فكيف لمن بنى دعايته السياسية على ركيزة “إنهاء الحروب” واستعادة الهيبة دون رصاصة واحدة، أن يجد نفسه فجأة منخرطاً في صراعات تصفها أعرق المؤسسات الصحفية الدولية، مثل «الإيكونيميست»، بأنها “حرب بلا استراتيجية”؟
إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الانخراط العسكري، بل في غياب “البوصلة”؛ فالقفز إلى غمار صراعات جديدة تفتقر إلى رؤية جيوسياسية واضحة، ولا تحظى بظهير شعبي حقيقي ـ حيث لا يتجاوز مؤيدوها 27% وفقاً لاستطلاعات «رويترز» ـ يمثل وصفة مثالية لاستنزاف الموارد وتقويض الاستقرار الدولي.
*تآكل الثقة وسؤال المصداقية*
عندما ينسب القائد لنفسه نجاحات في منع الحروب، فإنه يرفع سقف التوقعات لدى قاعدته الشعبية. لكن الاندفاع نحو معارك غير محسوبة يعكس فجوة عميقة بين “الوعود الانتخابية” و”الممارسات الميدانية”. هذا التناقض يؤدي بالضرورة إلى حالة من الاغتراب السياسي لدى الجمهور الذي بات يدرك أن التدخلات الخارجية التي لا تخدم غاية وطنية واضحة، ليست سوى استنزاف للأمن والاقتصاد على حد سواء.
*ما وراء الطموح الشخصي*
إن الخطر الحقيقي لهذه التحركات العشوائية لا يتوقف عند حدود الميدان، بل يمتد ليضرب عصب الاستقرار العالمي. فالصراعات التي تفتقر للإطار الاستراتيجي تؤدي إلى اضطرابات حادة في موازين القوى، وتلقي بظلالها على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. إن البحث عن “جائزة سلام” وسط غبار معارك تفتقر للغطاء الشعبي والشرعية الاستراتيجية، ليس سوى محاولة لتجميل واقع مرير يزداد تعقيداً.
كلمة أخيرة
إن التاريخ لا يرحم الذين يغلبون طموحاتهم الذاتية وصورتهم الذهنية على حساب السلم الوطني والدولي. فالتوازن الحقيقي يتطلب تغليب العقل الاستراتيجي وتقديم بدائل واقعية تحمي المجتمعات، بدلاً من الانجرار وراء مغامرات سياسية قد تتحول وعودها بالسلام إلى فواتير دموية واقتصادية باهظة.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع