إصلاح جامعة الدول العربية يحتاج خطوات جادة مهمة نضع لأجلها تصوراتنا أمام الأمين العام
أيمن عقيل
ربما يلقي ندائي إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية آذانًا صاغية، ويدفعني لهذا الخطاب أو النداء أو الرسالة – سمِّها كما شئت – رغبة في رؤية الجامعة العربية منظمة إقليمية فعالة تتسم بالكفاءة وتؤدي أدوارًا حاسمة لصالح الدول والشعب العربي، الذي يرى أن الجامعة في حالة يُرثى لها.
ولكن لأن الاستسلام لليأس هو بداية الانهيار لذلك أكتب هذا المقال.
السيد الأمين العام القادم للجامعة العربية، يتفق الناس – وخاصة العارفين منهم – بأن التشخيص الجيد لأي مشكلة ومعرفة أسبابها يجعل من حلها أمرًا يسيرًا. وحتى في الطب، فإن التشخيص المبكر لبعض الأمراض كالسرطان – على سبيل المثال – ينقذ كثيرًا من الأرواح. وفي علم الإدارة، فإن المؤسسات التي تُوضع لها خطط مستقبلية جيدة من قبل أشخاص لديهم رؤية صحيحة، هي مؤسسات ناجحة.
إن الجامعة العربية تحتاج إلى تشخيص جيد لعلاج الأعراض العامة التي يعرفها عوام الناس قبل الخواص، ويعرف تفاصيلها الخبراء والمعنيون.
السيد الأمين العام القادم، أنصحكم بأن تكون الجامعة منظمة إقليمية ذات تأثير، مثل المنظمات الإقليمية الأخرى كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وحتى منظمة الدول الأمريكية.
وباختصار غير مُخل، تعاني الجامعة العربية من مشاكل أساسية وأخرى فرعية، وسنذكر في هذه المساحة الأساسيات ونترك الفروع ربما لمرات قادمة. فأول ما تعانيه الجامعة العربية هو الأزمة المالية الناتجة عن عدم دفع بعض الدول الأعضاء حصصها المقررة في موازنة الجامعة، إذ لم تسدد إلا أربع دول عربية مساهمتها في ميزانية الجامعة لعام 2025، بما يخالف المادة (28) من النظام المالي لجامعة الدول العربية التي تُطالب بسداد مساهمات الدول الأعضاء كاملة في الشهور الثلاثة الأولى من السنة المالية.
كما يستحوذ بند القوى العاملة على غالبية الميزانية تقريبًا، حيث يُخصص لهذا البند 40 مليون دولار من أصل 60 مليونًا و995 ألف دولار، وهو إجمالي موازنة جامعة الدول العربية المٌقدرة لعام 2025.
أضف إلى ما سبق، اعتراض بعض الدول على زيادة حصصها في ميزانية الجامعة من ناحية، أو زيادة موازنة الجامعة بشكل عام من ناحية أخرى. وكان آخرها تحفظ خمس دول عربية على أي زيادة في موازنة عام 2025 لجامعة الدول العربية.
وهنا أتمنى من الأمين العام القادم أن يتحلى بالمرونة، وأن يُكلف قطاع الشؤون الإدارية والمالية بالجامعة بخوض مفاوضات شجاعة مع الدول العربية التي تتحفظ على موازنة الجامعة لتغيير وجهة نظرها.
لكن مشاكل الجامعة لا يمكن حصرها في بند الموازنة، إذ إن الأمانة العامة للجامعة مثقلة بالتكليفات والبيروقراطية. وأشجع الأمين العام – لتحقيق ذلك – بدايةً أن يتبنى برنامجًا طموحًا للإصلاح الداخلي للجامعة، يحد فيه من البيروقراطية بين إداراتها وأن يعيد هيكلة الأمانة العامة للجامعة.
وأدعوه أن يتخلى عن فلسفة تشكيل اللجان المعنية بالتطوير التي تأخذ سنوات في تقديم مقترحات لا تلقي من ينفذها او من يتشاور بشأنها. وهناك بالفعل لجنة شُكلت تسمى اللجنة مفتوحة العضوية المعنية بتحديث وتطوير جامعة الدول العربية، لكن ما الذي تقدمه؟ بدون خجل وبصراحة كاملة: لا شيء.
وحتى لو انتهت هذه اللجنة إلى مقترحات عملية قابلة للتنفيذ، هل هناك أرضية مشتركة بين الدول الأعضاء تساعد بالفعل على التنفيذ؟ كل هذه أسئلة تنتظر إجابة.
ومن سلطة الأمين العام مراجعة أساليب وكفاءة عمل الجامعة. ولا عيب في أن ينظر بعين الاعتبار إلى أفضل الممارسات المتبعة في الأمم المتحدة. وأعتقد أن اتخاذ الأمين العام القادم قرارًا بوقف إنشاء أي لجان أو إدارات جديدة ودمج الإدارات القائمة – منعًا لازدواجية العمل والتكرار – سيكون قرارًا حكيمًا.
ولأن الجامعة العربية ليست سياسية فقط، بل هي منظمة إقليمية تتعدد مجالاتها ومنها القانونية والإنسانية والتنموية والمعنية بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب وحتى نزع السلاح، أرى مشكلة أخرى لم يحرك فيها الأمناء العامون السابقون ساكنًا باستثناء الراحل نبيل العربي، الذي حاول تطوير وإصلاح الآليات العربية لحقوق الإنسان، لكن محاولاته ذهبت أدراج الرياح.
والحل بسيط في هذه الجزئية وهو تشجيع الدول التي لم تصادق على الميثاق العربي لحقوق الإنسان على الانضمام إليه، ودعوة الدول العربية المنضمة للميثاق ولم تقدم بعد تقريرها الأول أو الدوري إلى سرعة تقديم تقاريرها إلى لجنة الميثاق العربي لحقوق الإنسان.
لكن ربما ما يمثل أهمية أكبر من وجهة نظري هو إدماج المجتمع المدني العربي في جهود إصلاح الآليات العربية لحقوق الإنسان، وذلك من خلال تشجيعه على تقديم تقارير موازية للتقارير الدورية لجميع الدول الأطراف في الميثاق، والالتفات إلى توصياته أثناء عملية المراجعة، بجانب إتاحة الفرصة للمجتمع المدني بالمشاركة في أعمال اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان.
ولن تكون هذه المشاركة فاعلة إلا إذا انتهت عملية وضع المعايير الموحدة لمنظمات المجتمع المدني للحصول على صفة مراقب للمشاركة في أنشطة الجامعة.
فرغم المحاولات المتكررة منذ قرار مجلس جامعة الدول العربية الذي اتخذ في عام 2014، وطالب بإعداد الصياغة النهائية لمعايير موحدة يتطلب توافرها لدى منظمات المجتمع المدني العربية لمنحها صفة مراقب في أجهزة وآليات الجامعة العربية، إلا أن هذا القرار ما زال بعيد المنال
فقد أجّلت اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان النظر في صياغة معايير موحدة لمنح هذه الصفة للمجتمع المدني، دورة تلو الأخرى، دون حتى إبداء أسباب معقولة للتأجيل.
وأتصور أن الأمين العام القادم يُدرك أهمية المجتمع المدني، وإن المجتمع المدني يمثل المشكلة والحل. المشكلة: لأن الجامعة لا تزال بعيدة عن المجتمع المدني العربي. والحل: لأن تعزيز التعاون والشراكات مع المجتمع المدني العربي يمكن أن يثري عمل الجامعة العربية ويعزز فعاليتها.
ورغم أن الخطة التنفيذية الاسترشادية لحقوق الإنسان الصادرة عن جامعة الدول العربية قد أكدت على ضرورة تعزيز التعاون مع منظمات المجتمع المدني المعتمدة وطنيًا – أي تلك المنظمات التي تعمل في إطار القوانين الوطنية التي تنظم عملها – إلا أن الواقع العملي يؤكد أن الفجوة بين الجامعة والمجتمع المدني تتسع ولا تضيق.
والدليل على ذلك هو العدد المحدود الذي يحظى بصفة مراقب لدى لجنة الميثاق العربي لحقوق الإنسان أو حتى اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان أو حتى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بجامعة الدول العربية.
كما أدعو الأمين العام أو من يكلفه إلى مراجعة الوثائق المعنية بحقوق الإنسان التي أصدرتها هيئات تابعة للجامعة أو تعمل في ظلها، ومن بينها العقد العربي لحقوق الإنسان 2020-2030 الصادر عن البرلمان العربي، والذي يقترح – على سبيل المثال لا الحصر – إنشاء مفوضية سامية عربية لحقوق الإنسان واستحداث منصب المفوض العربي السامي لحقوق الإنسان.
لكن هذه الاقتراحات لا تزال حبيسة الإدراج لم تجد من ينفض الغبار المتراكم عليها في السنوات السابق. حيث يدخل العقد العربي لحقوق الإنسان أكثر من خمس سنوات على إصداره، لكن الوثيقة تبقى حبرًا على ورق.
وللحديث بقية في مسألة إصلاح جامعة الدول العربية.
*الكاتب عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع