نظمت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، احتفالية كبرى بمناسبة يوم المخطوط العربي، وندوة تحت عنوان “المخطوط العربي بين الأصالة وتحولات المستقبل”.
وفي كلمته أكد الأستاذ الدكتور أسامة طلعت، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، أن الاحتفاء بـ “يوم المخطوط العربي” ليس مجرد استحضار لمناسبة عابرة، بل هو استعادة حية لذاكرة أمة وحضارة عريقة.
وأوضح أن الحضارة العربية الإسلامية لم تنشأ من فراغ، بل ورثت واستوعبت فيضاً من الحضارات السابقة، وطورت “الكتابة العربية” لتصبح الوعاء الأسمى الذي احتضن هذا التراث المعرفي الهائل.
واستعرض الدكتور أسامة طلعت دلالة مصطلح “المخطوط” لغوياً وتاريخياً، مشيراً إلى أنه مشتق من فعل “خطّ” أي كتب باليد، وهو مفهوم يتطابق مع المصطلح اللاتيني (Manuscript) الذي يجمع بين اليد والكتابة، ولفت إلى أن هذا الجهد البشري الذي سُطر يدوياً هو ما حفظ لنا علوم وفنون الأولين.
مؤكداً التزام الدار بنقل هذه الأمانة من “الرف” إلى “الشاشة” عبر مشروعات الرقمنة لضمان استدامتها للأجيال القادمة.
وتناول رئيس الهيئة الدور المحوري للمخطوط كجسر عبرت عليه العلوم من الحضارات المصرية واليونانية والبطلمية والبيزنطية والقبطية والإسلامية، وصولاً إلى العصر الحديث، مستشهداً بالمخطوطات القبطية بالمتحف القبطي والإسلامي كشاهدين على هذا التراكم المعرفي.
كما نوه بجهود المسلمين منذ عصر “عبد الملك بن مروان” في ترجمة وصون علوم الحضارات السابقة، وهي العلوم التي استمدت منها أوروبا نهضتها لاحقاً.
وكشف الدكتور أسامة طلعت عن حجم المقتنيات الثمينة التي تقتنيها الدار، وسلط الضوء على “برديات قرة بن شريك” (والي مصر في عصر الوليد بن عبد الملك) المكتشفة في “كوم اشقاو” بسوهاج، واصفاً إياها بالمخطوطات الإدارية النادرة التي تؤرخ لشؤون الأقاليم والضرائب في القرن الأول الهجري.
واختتم كلمته بالإشارة إلى المقتنيات الفريدة من “المسكوكات” الإسلامية، وأقدم أوراق البردي الإسلامية، مؤكداً أن الاهتمام بالمخطوط بلغ ذروته في العناية بالمصاحف الشريفة وتجويد خطوطها وزخرفتها.
وأوضح أن الدار تمتلك رصيداً من المصاحف المخطوطة النادرة التي لا مثيل لها عالمياً، والتي تعود جذور بعضها إلى العهود الأولى للإسلام، مما يرسخ مكانة دار الكتب المصرية كحارس أمين على تراث الإنسانية.
ومن جانبه استهل الدكتور مينا رمزي، رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، كلمته بلمسة وفاء وتقدير للأستاذ الدكتور أسامة طلعت، رئيس الهيئة، معرباً عن سعادته بلقائه الدائم الذي يمزج بين العلم والخبرة ويبث روح البهجة.
وأكد رمزي أن دعم ومحبة القيادة الواعية هي الوقود الحقيقي لكل نجاح يتحقق داخل أروقة الدار، وفي لفتة إنسانية، ربط الدكتور مينا رمزي بين الحفاظ على التراث وبين القيم الإنسانية، داعياً إلى إعادة زرع “المحبة” في القلوب لمواجهة مشاعر الحقد والبغضاء.
مستشهداً بايه من الكتاب المقدس”المحبة لا تسقط أبداً، مؤكداً أن من يحب وطنه وتراثه يستحيل أن يجرحه أو يهمله، ومستعيناً ببيت الشعر الشهير:
أبلِغ عزيزاً في ثنايا القلبِ منزلهُ.. أني وإن كنتُ لا ألقاهُ ألقاهُ
وعلى الصعيد التقني، كشف الدكتور مينا رمزي عن جهود حثيثة بذلتها الدار خلال الفترة الماضية لتأمين المخطوطات، وأشار إلى أن الدار ترتكز على محورين أساسيين: “باب الخلق” الذي يضم نوادر المخطوطات، و”الإدارة العامة للمخطوطات” بالدور الرابع بالمقر الرئيسي.
وأكد أن دار الكتب والوثائق تحظى حالياً بقيادات تدرك قيمتها العالمية جيداً، واصفاً المرحلة الحالية بـ “العصر الذهبي” للتطوير الذي لم تشهده الدار من قبل، وأكد أن لغة “الأرقام والصور” هي خير دليل على الفارق الكبير بين وضع الدار سابقاً وما وصلت إليه الآن من أمان وحماية تليق بقيمتها التي يقدرها العالم أجمع.
وأضاف الدكتور مينا رمزي، رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، أن الدار تشهد حالياً مرحلة انتقالية كبرى تهدف إلى عصرنة آليات الحفظ والإتاحة، تزامناً مع الاحتفاء بيوم المخطوط العربي.
وأشار في كلمته إلى أن الحفاظ على المخطوطات والنوادر التراثية لم يعد يقتصر على الطرق التقليدية، بل أصبح يعتمد على منظومة متكاملة من التطوير والتحديث التي أُنجزت خلال الفترة الماضية.
استعرض الدكتور مينا رمزي أبرز ما تم تحقيقه في ملف تطوير المعامل المتخصصة، موضحاً أن الدار نجحت في تحديث معامل الترميم والصيانة بأحدث الأجهزة والتقنيات العالمية، كما لفت إلى الانتهاء من تطوير أنظمة التأمين والإنذار لضمان أقصى درجات الحماية للمقتنيات الفريدة التي تقتنيها الهيئة، وذلك في إطار خطة الدولة لحماية الهوية الثقافية والتراث القومي.
وفيما يخص الخطط المستقبلية، كشف الدكتور مينا رمزي عن حزمة من المشروعات الجارية، وعلى رأسها التوسع في عمليات “الرقمنة” الشاملة للمخطوطات والبرديات والمسكوكات.
وأوضح أن الهدف من هذه المشروعات هو إتاحة الكنوز المعرفية للباحثين عبر منصات رقمية متطورة، مما يسهل الوصول إلى المعلومة مع الحفاظ على أصل المخطوط من التلف الناتج عن التداول المستمر.
واختتم كلمته بالتأكيد على أن دار الكتب المصرية ستظل الحصن المنيع لتراث الأمة، مشدداً على أن الإدارة المركزية تعمل جاهدة على تدريب الكوادر البشرية وتأهيلها للتعامل مع التكنولوجيات الحديثة في فهرسة وتوثيق المخطوطات.
وأضاف أن هذه الجهود تأتي لتعزيز مكانة الدار كمركز إشعاع ثقافي وحضاري يربط أصالة الماضي بتطلعات المستقبل الرقمي.
استهل الباحث حسن محمدين حسان كلمته بالتركيز على الجانب التطبيقي والمادي للتراث، مؤكداً أن المخطوط العربي لم يبدأ من الورق فحسب، بل سبقه الاعتماد على “البردية” كقاعدة مادية أساسية لنقل العلم والتدوين في الحضارة المصرية القديمة وما تلاها.
وأوضح أن البردية كانت المادة العلمية التي مهدت الطريق للمخطوط، مشيراً إلى أن مصر كانت المركز الرئيسي لإنتاج وتصدير البردي للعالم القديم.
وانتقل خبير المخطوطات والمسكوكات للحديث عن مقتنيات الدار من “المسكوكات” (العملات القديمة)، موضحاً أنها لا تقل أهمية عن المخطوطات في توثيق التاريخ، وأكد أن الدار تمتلك مجموعات نادرة من العملات تعود للعصر الروماني.
بالإضافة إلى أقدم المسكوكات في الحضارة الإسلامية، والتي تعكس التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى التي مرت بها المنطقة.
وبصفتة خبيراً في المخطوطات التركية والفارسية، أشار حسان إلى الثراء الذي تتميز به دار الكتب المصرية في اقتناء “المخطوطات الشرقية”، وأوضح أن الدار تقتني عدد كبير من المخطوطات من بينها مجموعات نادرة جداً من المخطوطات
وعلى هامش الندوة، افتتح الأستاذ الدكتور أسامة طلعت معرضاً متميزاً للمخطوطات والمسكوكات، ضم مجموعة نادرة من مستنسخات مقتنيات الدار التي تبرز تطور فنون الخط والزخرفة عبر العصور.
وقد شهدت الاحتفالية جولة ميدانية وتطبيقية لطلبة الجامعات داخل أقسام الإدارة العامة للمخطوطات، حيث استمعوا لشرح مفصل من الخبراء حول آليات الحفظ والترميم والرقمنة.
وقد جاءت هذه الجولة لتربط الجيل الجديد بجذوره التراثية، وتتيح لهم فرصة نادرة لمعاينة رحلة المخطوط من صورته المادية التقليدية إلى صورته الرقمية الحديثة، مما يعزز وعيهم بقيمة الهوية المصرية والحضارية.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع