الثلاثاء , 2 يونيو , 2026
أخبار عاجلة

الأنوميا.. حين تفقد المجتمعات بوصلتها الأخلاقية

رشا فؤاد

أشار أميل دوركايم فى أهم كتبه عن الانتحار إلى ظاهرة “الانوميا” أو “اللا معيارية “، وهى ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد استقرار وتماسك المجتمعات، داعيا إلى التصدى لها من قبل علماء الاجتماع والمفكرين والقانونيين وجميع المؤسسات داخل المجتمع الواحد.

الأنوميا، أو اللامعيارية، هي مفهوم في علم الاجتماع يشير إلى حالة من تفكك المعايير والقيم في المجتمع، بحيث يفقد الأفراد الإحساس بما هو صحيح أو مقبول، فيسود نوع من الارتباك والقلق أو الفراغ الأخلاقي.

بمعنى أبسط، الأنوميا تحدث عندما تضعف القواعد التى تنظّم سلوك الأفراد أو تختفي، فيصبح كل فرد لا يعرف كيفية التصرف فى المواقف أو على أى أساس يتصرف.

متى تظهر الأنوميا ؟

تظهر الأنوميا أو اللامعيارية في فترات التغير السريع، اقتصادي، اجتماعي، سياسي، عند وجود تضارب في القيم بين القديم والجديد، وعندما يفقد الأشخاص الثقة فى القوانين أو المؤسسات فيتبعه انتشار الفساد وكأنه أمر اعتيادى.

كذلك شعور الأفراد بأنه ليس هناك قواعد واضحة أو أن القواعد لا تُطبق بعدالة، فينتج عن ذلك الشعور بالضياع أو فقدان الأهداف، ليشعر الأفراد بالقلق والتوتر وضعف الانتماء للمجتمع، ما يؤدى بدوره لارتفاع معدلات الجريمة والسلوكيات الشاذة غير المقبولة فى السابق لدى المجتمع.

باختصار، نستطيع القول إن الأنوميا هى حالة فقدان البوصلة الأخلاقية، وتحدث خاصة بعد الثورات الكبرى، ولاشك أن هذه الحالة تنعكس على اللغة، فإذا كان الفكر فى أزمة انعكس ذلك على اللغة، وبالطبع ينعكس ذلك على السلوك ككل.

بالضبط، هذا ما تعانيه منذ سنوات مجتمعات تشهد حالة من التخبط والتناقض والتناحر، ما أدى إلى وجود انقسام داخل المجتمع الواحد، وهذا أخطر ما يكون، حيث الظاهرة ممتدة مستمرة حتى خلفت حالة من الإزعاج والواقع الجديد غير المرغوب.

وسط هذه المحنة المجتمعية تجد فجأة الوطني مصنفا كخائن، والخائن مناضلا، ويسأل الناس بعضهم البعض عن ماهية معايير الوطنية، فقد تاهت المفاهيم عندهم في خضم الصراعات والمنفعة والسعى وراء الشهرة الزائفة، وبات الانقسام سيد الموقف والحالة الاعتيادية.

وسط هذه الأجواء التي تميز عالم الأحداث المتلاحقة بسرعة لانهائية، ترصد زيادة مستمرة في انتشار معدلات الجريمة بشكل لافت، وتنوعا غير عادي في أشكال هذه الجرائم، وحالة من التفنن في تنفيذها، وقد تجد حيازة السلاح في كل حين احتياطيا نافعا وقتما حضرت لحظات الانفعال، وتراه حاسما قاطعا في إنهاء الأحداث لصالح الشر المطلق بالضرورة، ذلك الشر ستجد سينما و دراما هذه المجتمعات تروج له باعتباره فنا، يقبل عليه المراهقون ويميزون أبطاله ويقتدون بهم، ويعتقدون بتقمص شخصياتهم أن ضياع مستقبلهم انتصار عظيم لهم أن يتباهوا به.

في هذه المجتمعات يعتاد الناس معارضة بعضهم البعض فى ثوابت كانت فى وقت ليس ببعيد من البديهيات، تتوه القيم ويحل محلها التشكيك والتخوين لكل من يعارض الآخر فى آرائه وأفكاره، ويحضر الهجوم والسباب محل الحوار الواعى الراقى.

مع هذه الحالة تجد النقاش وقد أفسد للود قضية، فقد تاهت آدابه وتناساها أطرافه، و لكي يعارض أحد فكرة أو رأى يجب أن تكون لديك معرفة كاملة شاملة بالموضوع الذى يتحدث عنه، دون اكتفاء بترديد عبارات ومعلومات بطريقة ببغائية ،فالكثير يهتمون فى حواراتهم بقائل المعلومة أكثر من البحث والتحري عن مدى صدقها من عدمه، فتأييد قائلها المحبب إليهم أو الهجوم عليه حال عدم رضائهم عنه أمر معتاد، والتلاسن يفقد الكافة آداب الحوار، كما تعزز وسائل التواصل الاجتماعي ابتعادهم عن النقاشات الموضوعية.

الحدث جلل، وتكاتف المؤسسات في تلك المجتمعات لرأب الصدع، وترميم الشروخ والتصدعات، وتعديل السلوكيات، ومواجهة الانحرافات، يعني عودتها مرة أخرى إلى مسارها الصحيح، وعليه، سيجد أفرادها حكم القانون والمساواة والعدالة، وسيرى الجميع المستقبل.. ويصنعونه.

*كاتبة مصرية