حكيم جماعين
على جدران قاعات ضي الزمالك، يقدم لنا الفنان أسامة ناشد في معرضه “تقاسيم”، نصوصا بصرية لا تكتفي بوصفها كتجربة فنية، بل تكشف عن وعي مركّب يتشكّل عند تقاطع الفطرة بالدراسة، والعفوية بالصرامة، والبساطة بالعمق.
هنا نحن أمام فنان لا يكتفي بتسجيل المشهد الريفي أو حياة الصيادين أو النيل والمراكب الشراعية، بل يعيد صياغة هذه العناصر ضمن رؤية تتجاوز التمثيل إلى التأويل؛ رؤية تجعل من الطبيعة نصا مفتوحا، ومن الخط أداة تفكير، ومن البياض مجالا لاحتمالات لا نهائية.
تقاسيم أسامة ناشد بجاليري ضي الزمالك
إن ما يلفت في هذه التجربة هو هذا التوتر الخلّاق بين ما يمكن تسميته “البساطة الممتنعة” و”التعقيد الكامن”. فالخطوط التي تبدو لأول وهلة مباشرة، خالية من التكليف، هي في حقيقتها نتاج وعي بصري متراكم، تشكّل عبر دراسة أكاديمية دقيقة، لكنها لم تتحول إلى قيد، بل إلى أرضية انطلاق.
هنا تتجلّى مفارقة أساسية: فناشد لا يتخلى عن الأكاديمية، بل “يهضمها”، يحوّلها إلى جزء من فطرته، بحيث تصبح التقنية شفافة، غير مرئية، تخدم التعبير بدل أن تستعرض ذاتها.
و يمكن فهم هذا التداخل عبر مقاربة قريبة من الظاهراتية، حيث تتقدّم التجربة الحسية المباشرة على القواعد المسبقة.

تقاسيم أسامة ناشد
أسامة ناشد لا يرسم وفق ما “يجب” أن يُرسم، بل وفق ما “يتبدّى” له في لحظة الرؤية. غير أن هذه العفوية ليست بدائية، بل مشروطة بخبرة سابقة، تجعل من الفطرة واعية بذاتها.
إنها فطرة مُهذَّبة، إن جاز التعبير، قادرة على التقاط التفاصيل دون أن تغرق فيها، وعلى اختزال المشهد دون أن تفرغه من روحه.
هذا ما يجعل استخدام الحبر الأسود وقلم الرابيدو على الورق المقوى خيارا دالا: إنه انحياز إلى الحد الأدنى من الوسائط، إلى اقتصاد بصري صارم، يفرض على الفنان أن يقول الكثير بالقليل.
هنا يصبح الخط ليس مجرد أداة رسم، بل أثرا لقرار، لتأمل، لزمن داخلي يتكثف في حركة اليد. البياض ليس فراغا، بل شريك في التكوين، مساحة للصمت، لما لم يُقل.
وهنا يمكن استحضار تصور مارتن هايدغر عن الحقيقة بوصفها انكشافا؛ ان ناشد لا يملأ الصفحة، بل يزيح عنها ما يحجب المعنى، تاركا للأشكال أن تظهر في حدودها الدنيا، حيث تتجلى كثافتها.
و هذا الأسلوب البسيط الممتنع يكتسب دلالة إضافية.
ففي زمن تتسارع فيه الصور وتتعقّد الوسائط، يبدو هذا الاختيار عودة واعية إلى الجذور، إلى اقتصاد بصري يقاوم فائض الاستهلاك البصري. الريف، الصيادون، النيل، ليست هنا موضوعات نوستالجية فحسب، بل تمثيلات لنسق اجتماعي وثقافي.
ومن خلال هذا الاختزال الشكلي، يعيد الفنان تثبيت هذه العناصر في الوعي، لا كذكريات ساكنة، بل ككيانات حيّة قابلة لإعادة القراءة.
حيث تُفهم هذه المشاهد بوصفها حوامل لقيم وعلاقات اجتماعية. اسامه عبر أسلوبه، لا يوثّق هذه القيم بشكل مباشر، بل يعيد ترميزها، يمنحها شكلا بصريا يجعلها قابلة للبقاء. إن البساطة هنا ليست فقرا، بل استراتيجية: تقليل العناصر من أجل تكثيف الدلالة.

تجربة أسامة ناشد الفنية
وفي هذا السياق، يمكن قراءة تجربة ناشد أيضا في ضوء مفهوم الاغتراب؛ فالفطرة التي يطلق لها العنان داخل إطار أكاديمي تبدو كأنها محاولة لاستعادة توازن مفقود بين الإنسان وعالمه.
الدراسة الأكاديمية تمثل النظام، القاعدة، الانضباط، بينما تمثل الفطرة العفوية، الحدس، والاتصال المباشر. الجمع بينهما هو محاولة لتجاوز الاغتراب دون السقوط في البدائية، وللتحرر دون فقدان الشكل.

أفكار الفنان أسامة ناشد
تفرد هذا الفنان، إذا، لا يكمن فقط في موضوعاته، بل في هذه القدرة النادرة على جعل الأسلوب نفسه موضوعا للتفكير. البساطة التي يقدمها ليست سهلة المنال،
بل هي نتيجة حذف طويل، واختيار دقيق، وتربية مستمرة للعين واليد. إنها بساطة “مبنية”، لا “معطاة”، تنتمي في جوهرها إلى خبرة عميقة تجعل من كل خط ضرورة، ومن كل فراغ معنى.
نحن أمام تجربة تشتغل في منطقة دقيقة بين الفن كمهارة والفن كمعرفة، بين الرسم كتمثيل والرسم ككشف. الفنان لا يرسم ما يراه فقط، بل ما يعرفه، وما يشعر به، وما يتخيله، ضمن شبكة معقدة من المرجعيات الأكاديمية والفطرية. وهكذا تتحول الطبيعة، عبر هذا الأسلوب المتفرد، إلى نص بصري مكثف،
حيث يتجاور البسيط والعميق، العفوي والمدروس، في توازن نادر لا يتحقق إلا لدى من استطاع أن يجعل من فطرته امتدادا لعلمه، ومن علمه حاضنا لفطرته.
*الكاتب ناقد وفنان تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع