أ. د. محمود زايد
مر ما يقرب من نصف عام على الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق، لا يزال الإطار الشيعي عاجزاً عن تمرير مرشح لرئاسة الوزراء، دون أي اعتبار لتجاوز المهلة الدستورية من عدمها،
وكأنهم يعدون أنفسهم فوق الدستور. إنه مشهد يتكرر بعد كل استحقاق انتخابي، لكنه يبدو هذه المرة أكثر تعقيداً وانغلاقاً من أي وقت مضى.
تؤكد أرقام التجاوزات الدستورية حجم المأزق الذي يعيشه المسؤولون العراقيون، ويعكس جمودهم المتكرر أمام المصالح العليا لبلدهم سمة خاصة للعملية السياسية العراقية منذ عام 2005 وحتى الآن،
حيث تحولت عملية تشكيل الحكومة إلى دوامة من التأخير والمحاصصة والتدخلات الإقليمية.
يبدو أن لأزمة تشكيل الحكومة ارتباط بجذور بنيوية في الشخصية العراقية، إذ إن غموض مفهوم “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” أحد أبرز أسباب الأزمات المتكررة في تشكيل الحكومات العراقية منذ انتخابات 2010.
ووفقا للمادة 76 من الدستور العراقي، فإن رئيس الجمهورية ملزم خلال 15 يوماً من انتخابه، بتكليف مرشح الكتلة الأكبر لتشكيل مجلس الوزراء، غير أن تفسير هذه المادة يظل محل خلاف قضائي وسياسي مستمر، ولذا لا يعول عليها كثيرا عند الاختلاف.
لا شك أن هناك معاناة شديدة من نظام المحاصصة الطائفية في العراق، لأن توزيع الحقائب الوزارية بين المكونات يكون بحسب عدد النواب وليس الكفاءة.
هذا الجوهر الهش للدولة يجعل أي توافق سياسي في العراق رهناً بموازنات دقيقة وحساسة سرعان ما تنهار تحت وطأة الصراعات الداخلية،
لاسيما وأن العراق ثري بالانقسامات الداخلية العميقة؛ الإطار التنسيقي رغم ماراثون طويل من الحوارات، اصطدمت جهوده نحو التوافق بطريق مسدود في ظل استمرار الخلافات داخله بشأن اسم مرشح رئاسة الوزراء، وكذا توزيع الحقائب الوزارية بعد ذلك.
يعكس هذا الانسداد عمق التباينات في المصالح والحسابات بين أطراف يفترض أنها تتحرك ضمن تكتل سياسي واحد.
وغالبًا ما تفشل الاجتماعات في التوصل إلى توافق حول المناصب القيادية أو المواقع التنفيذية، مما يعكس عمق الخلافات حول توزيع النفوذ.
ولا ننكر هنا حجم التدخلات الإقليمية وتأثيرها على استمرار الأزمة، فتدخلات إيران والولايات المتحدة عامل حاسم في إطالة أمد الصراع السياسي،
حيث تسعى كل منهما لدعم مرشحيها بما يتوافق مع مصالحها الإقليمية. وكان ذلك واضحًا في تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفضه تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة مجدداً، ما أدخل العامل الخارجي بشكل صريح في مسار التفاوض الداخلي وقلب الموازين.
يزيد الأزمة تعقيدًا أن العراق ابتلي بقادة بلا تنازلات، بمعنى إنه في حال تجاوز خلاف سياسي ما فإن ما يسمى ب “سيكولوجية الزعماء” تظهر بقوة، حيث يتقمص كل طرف دور “الملك الذي لا يُنازع”،
وهو ما يفسر استمرار الانسداد. في اجتماعات الإطار التنسيقي، ويحلّ الصراخ محل النقاش، وتوسع الخلاف من الأسماء ليصل إلى رؤساء حكومات سابقين ونقاشات حول أدوار واشنطن وطهران وأزمة الفصائل المسلحة.
وهذا وضع لا يرجح أي خيارات مطروحة على طاولة المفاوضات، التي تدور حول التجديد للسوداني بتشكيل الحكومة الجديدة بصفته الفائز الأكبر، أو التمديد له في حكومة تصريف أعمال،
تُمنح صلاحيات محدودة لمواجهة التحديات، أو يخرجون من ذلك بمرشح التسوية يتم التوافق عليه داخل الإطار التنسيقي، ما قد يتطلب تنحي المالكي. وهي خيارات بديلة لكيلا يجبر العراق على انتخابات جديدة.
تدور كل هذه التجاذبات السياسية في ظل تفاقم التداعيات الاقتصادية والأمنية في العراق، فلا يمكن فصل أزمة تشكيل الحكومة عن التحديات التي تعصف بالبلاد.
فالعراق يواجه أزمة اقتصادية خانقة أبرزها تأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على حجم تصدير النفط عبر الخليج ونضيف هرمز، ومنها تأخر دفع رواتب الموظفين، والتضييق الأمريكي بالنفط دولار.
وتبرز المطالب الأمنية بحصر السلاح بيد الدولة فقط وسحبه من كل الفصائل والمليشيات الأخرى التي تعدي باستمرار إقليم كردستان وبعض الدول المجاورة كأذرع عسكرية لإيران،
فضلاً عن المطالب الشعبية بتحسين الخدمات ومكافحة الفساد.
وهكذا، فإن أزمة تشكيل الحكومة العراقية ليست مجرد أزمة حكومة، وإنما أزمة نظام وحكم بكامل أبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومع تجاوز المهل الدستورية وعدم التوصل إلى توافق يقف العراق على حافة فراغ دستوري. وتبقى الفرصة قائمة لو نجحت القوى السياسية في تجاوز حساباتها الضيقة، وإدراك أن استمرار الفراغ الحكومي ليس في مصلحة أحد، وهو اختبار جديد للنظام السياسي العراقي بعد أكثر من عقدين على تأسيسه.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع