الثلاثاء , 2 يونيو , 2026
أخبار عاجلة

الثامنةُ بتوقيت الموت.. متقطفات من كولاج فلسطين المنكوبة

قراءة نقدية: مصطفى علي

هذه تجربة إنسانية حملتها فقرات الشعر إلى خزانة المشترك البشري، فالشاعر محمد الذهبي، ينقل -ربما دون تدخل فني كبير- مقتطفات قاسية من كولاج فلسطيني مرسوم على قماش مهترئ.. ينتقل من موت إلى موت عبر نزوح دائري لا يتوقف، ويرصد مشاهد صغرى كفأر يمر على صدر نازح، كتفريغ لهموم صغيرة تحيط المآسي الكبرى، فالشاعر يؤثر الحكي عن الصغائر التي منها تنبت جهنم الكبرى.

يقول الذهبي:

“تحت القمر والمسيرات العسكرية والطائرات الحربية، التي لا تعرف الخطوط الحمراء، بلا اكتراث، أنا مسجى هناك، حيث صدحت ترانيم أم كلثوم (أراك عصي الدمع).. وانفجرت باكيا”..
هناك بين دورات النزوح الفلسطيني تحت سطوة الدمار والحرب اللا منتهية يكتشف الشاعر مهارة “عد النسمات” التي تعبر الصيف المميت، هناك تحت القمر والمسيرات العسكرية لم يستطع الذهبي إلا أن يبكي وهو يستمع إلى أم كلثوم وهي تقول: أراك عصي الدمع..

هذا الانفجار الشعري المخبأ تحت جلد النازحين أقوى أثرا من قنابل إسرائيل المستوردة من أمريكا العظمى، هناك شاعر يراقب ويحرر المشاهد التي يعيشها/يراها فيحولها إلى بارود قابل للانفجار.

البرتقالة والدولار

الربط الذي صنعه الشاعر بين برتقالة يتيمة تحصَّل عليها من السوق، والعملة الأمريكية المسيطرة بالسلاح النووي ورأسمالية العولمة على عالم اليوم، لهو كافٍ للشعور بضخامة فرق القوة، بين متلهف لأكل برتقالة ومحتل مدجج بالموت.. يتخفى الشاعر في لحظة ضعف من رفاقه المتنافسين في حب البرتقال، يتخفى كلص، رغم أنه دفع ثمن البرتقالة دما وخوفا..

لعل الدولار، وذراعه، الشيكل الإسرائيلي، لم يعلم بتلك اللهفة التي احتلت الشاعر وذويه الجائعين، ولم يفكر إلا في عصر دمهم وطحن عظامهم أو على الأقل وضعهم في طابور الخائفين من موت آتٍ يومًا ما، ما داموا نازحين.

الكذب علاجًا

مستمرًا لا يزال الذهبي في الرصد من ثقوب إبرة، فيقول:
قولوا لأمي إنني آكل ما أشتهي، أخلق شطائر لحم للفطور، وسمكا للغداء وغيره، وأخبروا أمي، التي حزنت لأنني أردت أن أصير ذبابة، أنني عدت اليوم واشتريت حبة الفاكهة التي وقعت في نفسها على غلوها، لن تصدقكم في شيء.. ولكن أصل تهوين الوجع كذبة!

هذا الحل الشعري النهائي للخلاص من الألم هو الضلال، اختراع الكذب، فتتحول الآفة إلى وسيلة للدفاع عن النفس المأزومة المحاصَرة بين الجوع والموت.. تلك الحالة الواقعة بين مَرَضَيْن هي باختصار ما يعيشه أصحاب فلسطين المنكوبة في ديوان محمد الذهبي.

خيمة ومطر

هي هي.. المسافة بين قماش الخيمة المهترئ والمطر الذي لا يرحم.. هي هي المسافة بين خيمة تحمي وأمل يختبئ وراءها، أمل بانتهاء الحرب، وتوقف إغارة الطائرات.. هي هي المسافة بين جوع وبقايا طعام في طبق تنحشر فيه الأيدي المشتاقة.. هي هي المسافة بين خطأ في تشكيل بعض مفردات هذا الديوان وبين صحة الأجساد والأحلام والراحة بعد معركة لا تنتهي..
“تحت النصوص
بركان خامل
أنين منصهر
على شواطئ صماء
نشيد: (أوقفوا المحرقة!)”..

مَن المخاطب هنا؟ هل هو العالم الغائب؟ ربما تحدث الشاعر إلى سكان جهة ما خارج الأرض ليوقفوا هذه المأساة، فلم يعد في بال أحد ما يعانيه سكان هذا المكان الواقع بين زمان ميت ومكان مؤهل للموت.

من هنا ينتقل الشاعر إلى سخرية مثخنة بالجراح من ذلك الوطن الكبير، الوطن الأب الغائب، فيقول:

“هان فينا
فـهُنَّا
تركناه لغاصب
فاغتُصبنا
كل زناة الأرض في وطني أنشدوا:
وطني حبيبي الوطن الأكبر”..

هذا الخروج المفاجئ من رصد المبكيات الصغيرة في حياة النازحين، لا الشهداء، إلى رحابة السخرية وعدمية الصبر، قد يدفعنا إلى الحكم بأن الشاعر عاد إلى ساحة السياسة لذم السياسيين، لكن في الحقيقة، هو نوع من استراحة النازح، فصوته الداخلي الذي يرصد حياة مأساة لم يعد يكفي،

فتخطى الصدى إلى ما هو أبعد، وفي الحقيقة فإن ظاهرة التضامن العربي، بالفعل لم تعد تستحق إلا صوت السخرية، لأنك تستدعي وهما، تستصرخ عدما لا يجيب، وأظن أنه غير مزود بخاصية الرد.

الأمانيّ هي ما يبقى
“ويبقى الشعر دائما طاقة الأمل الأخيرة:
بَنَيْتُ هذا العام كثيرا من الأماني
كـ لو أنني عصفور يهرب من الصواريخ وأزيز الرصاص
كـ لو أنني غيمة تقفز فوق الطائرات، فلا تراني!
يئستُ
تصاغرتُ
أينفع أن أصير ذبابة؟!”

ولعل تلك الأمنية الغريبة –أن يصير الشاعر ذبابة- وسط هذا الجحيم الحي، هي أفضل اختيار له، فالذباب ربيب الجثث، والذباب ربيب المزابل اللا إنسانية، والذباب حُر في الخروج والدخول بعكس أولئك النازحين الذي لا يملكون حرية الحركة والتوجيه.. وحده الذباب حُر في الحصار، فهذه ليست أمنية بل حل لمأساة جامدة.

هذا الديوان المتماسك رصدا ويأسا، لجدير أن يكون تعبيرا صادقا عن الحالة التي يمثلها، والصدق الفني، دون تقعر التشبيهات والصور المُركّبة، هو أقصى ما يتمناه الشعر، أقصى ما يتمناه أي فن.