الثلاثاء , 2 يونيو , 2026
أخبار عاجلة

“شخبطة” من نور وتقشف لوني محكم

حكيم جماعين

على قاعات ضي الزمالك حين يتقشف اللون ليصبح نورا، في ما يبدو لأول وهلة فعلاً عفوياً ، و تتحول “الشخبطه” – كما يسميها الفنان الكبير علاء حجازي – إلى موقف جمالي وفلسفي معقّد، يقوّض أنماط التمثيل التقليدية ويعيد تعريف العلاقة بين الذات والآخر، الفردي والجماعي، والمرئي والمُتخيَّل.

إن هذا الفعل، الذي يتخفف من ثقل المهارة الأكاديمية التي يجيدها الفنان بكل طلاقة ومن سلطة الشكل المنضبط، لا يُختزل في كونه تمريناً بصرياً، بل يغدو خطاباً نقدياً يتقاطع فيه الفن مع الفلسفة وعلم الاجتماع. أول ما يلفت النظر في هذه التجربة هو تسوية[بمعنى المساواة] الشخوص داخل فضاء الرسم.

 

 

 

 

لا تعود الوجوه والاجساد تعبيراً عن هويات فردية متمايزة، بل تتحول إلى كيانات متشابهة، أقرب إلى “نماذج” أو “دمى” تتشارك في رؤية واحدة. هنا تتبدد الفوارق الطبقية والاجتماعية التي طالما كانت حاضرة في تاريخ البورتريه بوصفه أداة تمثيل للجاه أو المكانة. إن حجازي عبر الرسم، يجرّد الشخصيات من رموز الامتياز، ويعيدها إلى مستوى وجودي متساوٍ، حيث يصبح الجميع “واحداً” في تجربة الإدراك والرؤية.

ليمكننا قراءة هذا التوجه بوصفه رفضاً لفكرة الجوهر الثابت للذات. فالرسم المنفذ بخطوط متحركة وغير مكتملة، يقترح أن الهوية ليست بنية مغلقة، بل حالة سيولة وتشكّل دائم. إنها أقرب إلى أثر لحركة، إلى لحظة عابرة من الوجود، لا يمكن تثبيتها أو تعريفها نهائياً. بهذا المعنى، يغدو الرسم عند حجازي فعلاً وجودياً، لا يسعى إلى تمثيل الواقع بقدر ما يسعى إلى معايشته وإعادة إنتاجه في لحظته الآنية.

 

 

 

ومن زاوية اخرى يمكن قراءته على ان هذه “الديمقراطية البصرية” التي تساوي بين الشخوص تعكس نقداً ضمنياً للبُنى الجمالية، فحين تُختزل الفروق الطبقية في خطوط متشابهة، وحين تُمحى العلامات الدالة على الجاه أو المكانه المرتبطه تاريخيا بفن البورتريه والموديل، يصبح العمل الفني فضاءً لإعادة تخيّل هذا خارج شروطه الأكاديمية. “فالشخبطه” كما يسميها حجازي هنا ليست فقط أسلوباً، بل هي موقف يعارض التراتبية ويحتفي بالمشترك الإنساني.

ويتعزز هذا التوجه عبر التقشف اللوني المحكم. فغياب الألوان الصاخبة أو التنوع اللوني الواسع لا يشير إلى فقر بصري، بل إلى اختيار واعٍ يركّز على البنية الخطية وعلى الإيقاع الداخلي للعمل. اللون حين يُختزل، يفسح المجال للخط كي يحمل العبء التعبيري كاملاً، فيصبح كل انحراف أو تكرار أو تداخل في الخطوط بمثابة لغة قائمة بذاتها. هذا الاقتصاد اللوني يوازي اقتصاداً في المعنى، حيث يُختزل الخطاب إلى جوهره دون زوائد.

 

إن “طلاقة الرسم” التي يعتمدها الفنان ليست مجرد حرية تقنية، بل هي انعتاق فني سواء كانت رقابة أكاديمية أو اجتماعية أو حتى ذاتية. إنها استعادة لبراءة الفعل الأول، حيث الرسم لا يزال قريباً من اللعب، من العفوية، من ذلك الفعل الإنساني البدائي الذي يسبق التنظيم والتقنين. لكن هذه البراءة ليست ساذجة؛ إنها براءة واعية، تحمل في داخلها نقداً عميقاً لكل ما هو مُقنّن ومؤطر.

يمكننا القول إن :الشخبطه”، في هذا السياق، تتحول إلى لغة فلسفية اجتماعية، تعيد التفكير في مفاهيم الهوية، والاختلاف، والتعبير. إنها ليست فوضى بصرية، بل نظام بديل، يشتغل خارج القواعد المألوفة، ويقترح رؤية أكثر مساواة وإنسانية للعالم.

حكيم جماعين ناقد وفنان تشكيلي