حكيم جماعين
بين التاريخ بما يحمله من وقائع، والأسطورة بما تنسجه من خيال، والحكاية الحديثة بما تعكسه من قلق الإنسان المعاصر، تتخذ التشكيلية لينا أسامة في معرضها على قاعة بيكاسو (الزمالك)، من الأحلام ثيمة فريدة لمعرضها بوصفها مساحة وسيطة: لا تنتمي كليا إلى الواقع ولا تنفصل عنه تماما.
إنها المجال الذي ينفلت فيه الوعي من قيوده المنطقية ليعيد تشكيل العالم وفق حساسية داخلية، أقرب إلى البوح منها إلى السرد، متخذة من التكوين التشكيلي آلية للتعبير.
حيث تصبح اللوحة الفنية ليست مجرد سطحٍ بصري، بل أثرا لرحلة داخلية ترجمةً لحلمٍ لم يُروَ بالكلمات، بل بالألوان. فالوعي التشكيلي هنا لا يكتفي بنقل الواقع، بل يعيد اختراعه.

الفنانة التشكيلية لينا أسامة
إنه وعيٌ يشكّك في الثبات، ويقترح احتمالات متعددة للرؤية، حيث الخط ليس حدا بل أثر حركة، واللون ليس تعبئة بل حالة شعورية كثيفة.
اللون في هذا الإطار، يتجاوز وظيفته التزيينية ليغدو عالما قائما بذاته. إنه ليس انعكاسا للفرح، بل مولّدا له. فالألوان الزاهية لا تشير إلى الفرح بوصفه موضوعا، بل تخلقه بوصفه تجربة حسية.
الأزرق قد يكون اتساعا، والأصفر اندفاعا، والأحمر توترا حيا وكل لون هو طاقة، وكل تدرّج هو انتقال بين حالات الوجود.

في جاليري بيكاسو
الأحلام، إذا، لا تعمل كملاذ للهروب من الواقع، بل كأداة لإعادة قراءته. فهي تتيح للينا أسامه أن تتحرر من التسلسل الزمني، وأن تعيد ترتيب الأحداث كما لو كانت عناصر في تكوين بصري.
هنا يتقاطع السرد مع التشكيل: الرواية لم تعد تُحكى فقط، بل تُرى واللوحة لم تعد تُشاهد فقط، بل تُقرأ.
إن تتبّع الخطى، سواء في الحكاية أو في اللوحة، يصبح فعلًا تأويليا. فالمتلقي لا يكتفي بالتلقي، بل يشارك في إعادة بناء المعنى. كل ضربة فرشاة هي اقتراح، وكل فراغ هو دعوة.
وهكذا، يتحول العمل الفني إلى مساحة مشتركة بين ذاتين: ذات المبدع وذات المتلقي، يجمعهما حلمٌ مفتوح على احتمالات لا نهائية.

بين التاريخ والأسطورة
يمكننا القول إن الفن، حين يتكئ على الحلم، لا يسعى إلى تمثيل العالم، بل إلى توسيعه. واللوحة، حين تحتفي باللون، لا تصف الفرح، بل تخلقه كواقعٍ بديل واقعٍ أكثر سيولة، وأكثر صدقا مع تعقيد التجربة الإنسانية.
غير أن تجربة لينا أسامة لا تقف عند حدود الحلم بوصفه بنية جمالية أو أداة تعبيرية فحسب، بل تمتد لتتغذى من ترحال بصري وثقافي واسع، حيث تستلهم من رحلاتها بين الشرق الأقصى وأوروبا عناصر متعددة تتداخل داخل نسيج اللوحة.
من نقوش المطبوعات اليابانية بما تحمله من اختزال ورهافة خط، إلى أيقونات السينما بوصفها ذاكرة بصرية جماعية، وصولاً إلى استدعاءات فنية مثل عنزة بيكاسو، التي تتحول من رمز حداثي إلى عنصر قابل لإعادة التأويل داخل سياق معاصر.
هذا التعدد المرجعي لا يُستخدم كاقتباس زخرفي، بل يُعاد صهره داخل رؤية شخصية، تُفكك المركزيات الجمالية التقليدية وتعيد تركيبها ضمن خطاب بصري أكثر انفتاحا.

التجربة من منظور المرأة
ومن منظور المرأة، تكتسب هذه التجربة بعدا إضافيا، إذ لا تُقدَّم الذات الأنثوية كموضوع للتمثيل، بل كذات فاعلة تعيد صياغة خبراتها الحياتية في قوالب تشكيلية تتجاوز السرد المباشر.
هنا، لا تكون اللوحة مجرد انعكاس للواقع الاجتماعي، بل مساحة لمساءلته حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع البنية الثقافية، ويصبح الوجه—بوصفه محورا بصريا متكررا—موقعا للكشف والتوتر، لا للثبات أو التعريف.
وفي هذا الإطار، تبدو تقنية العمل ذات دلالة نقدية بحد ذاتها. فاختيار الفنانة عدم الاعتماد على الرسم التحضيري أو الاسكتشات ليس مجرد قرار تقني، بل موقف جمالي وفلسفي يراهن على اللحظة بوصفها حاملة للحقيقة التعبيرية.
إن الرسم المباشر على السطح يحافظ على “الشحنة العاطفية” في حالتها الخام، قبل أن تُهذَّب أو تُروَّض عبر التخطيط المسبق.
هنا، يتحول الفعل التشكيلي إلى نوع من المواجهة: بين الذات وما تختزنه، وبين اللون كقوة مادية والانفعال كطاقة داخلية.

أعمال لينا أسامة
بهذا المعنى، فإن الصدق في أعمال لينا أسامة لا يُقاس بمدى مطابقتها للواقع، بل بقدرتها على التقاط تلك اللحظة الهاربة التي يلتقي فيها اللون بالسطح دون وسيط.
إنها لحظة تتجاوز التمثيل نحو الحضور، حيث يصبح الأثر اللوني دليلاً على حدث داخلي، وعلى تجربة معيشة لا تُختزل في شكل، بل تتجلى كحالة.
ومن زاوية اخرى، يمكن قراءة هذا الخيار بوصفه رفضا ضمنيا للأنماط المعيارية التي تسعى إلى ضبط التعبير، سواء في الفن أو في تمثيل الذات، خصوصا الأنثوية.
فالعفوية هنا ليست سذاجة، بل استراتيجية مقاومة واللوحة، في انفتاحها وتوترها، تعكس عالما لا يسعى إلى الاتساق بقدر ما يحتفي بتعقيده وتناقضاته.

*حكيم جماعين – ناقد فني وفنان تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع