رشا علام
الفارس وسراب الأمان
”يقولون إن الانطباع الأول لا يخطئ، وأن للقلوب مجسّات تلتقط الخطر قبل أن يدركه العقل. في المرة الأولى التي رأيته فيها، لم أقع في سحره كما فعل الجميع. نعم، كان رجلاً وسيمًا تلتفت إليه الأنظار، يملك ملامح تجعل أي امرأة تظنه الفارس المنتظر، لكن قلبي انقبض!
أذكر أنني نظرت إليه وشعرت بنفور غريب لم أفهمه وقتها؛ كان هناك شيء في طريقة وقفته، في نبرة صوته، وفي تلك ‘التنِكة’ والتعالي التي يغلف بها حركاته، يهمس لي بأن خلف هذا القناع البراق حقيقة أخرى. حتى أنني التفتّ لأختي يومها وقلت لها بصدق وعفوية: ‘أراه رجلاً عاديًا جداً.. لا أشعر بأي انجذاب نحوه’.
لكن، كيف لقلب فتاة أن يقف في وجه انبهار مجتمع بأكمله؟ تفاجأت بإصراره العجيب وملاحقته لي، وتصميمه على أن يفوز بي، وتواكبت مع ذلك ضغوط الأصوات من حولي التي راحت تردد بذهول: ‘ما بكِ؟ أجننتِ؟ انظري إلى وسامته، إلى شكله، ما شاء الله.. إنه عريس لقطة لا يُرفض!’.
وفي الوقت الذي كنت أصارع فيه شكوكي ونفوري المدفون، كنت أرى نظرات الحسد والغيرة تلاحقني في عيون الصديقات والأقارب؛ همساتهم المحملة بالحقد كانت تتهامس خلف ظهري: ‘يا لها من محظوظة، كيف نالت هذا الفارس الوسيم الذي تتمنّاه ألف امرأة؟’.
كانت عيونهم تراني ملكة متوجة تحسدها الأعين، بينما كنت في داخلي طفلة خائفة تحاول تصديق ما يراه الناس وتكذيب ما يشعر به قلبها.
وتحت وطأة ذلك الإصرار، وحصار نظرات الحسد التي أشعرتني بأنني سأرتكب خطيئة لو رفضته، بدأت أكذب عيني، وأخرس صوت حدسي الذي صرخ في داخلي محذراً. تراجعت خطوة للوراء، وفتحت له باب قلبي، وبدأت أبادِله المشاعر وتنازلت عن حذري، وبدأت أمشي بجانبه وفخري يسبق خطواتي أمام الناس، ظناً مني أنني أخيرًا وجدت ‘السند’ الذي سأتكئ عليه.
ولم أكن أعلم أنني بتكذيب إحساسي الأول، كنت أسير بقدمي نحو فخ نُسج ببراعة، وأن تلك الوسامة الطاغية التي حسدني عليها الجميع لم تكن سوى قناع طاووسي يخبئ خلفه شحاً في المشاعر، وبخلاً في الجيوب، ولساناً لا يعرف سوى الإهانة وتدمير الروح…”.
بدأت الإهانات تتوالى واحدة تلو الأخرى، وأولها عدم اهتمامه واحترامه لأي ميعاد بيننا،
ولم تكن المشكلة في إلغاء المواعيد فحسب، بل في تلك التبريرات المستفزة التي كانت تذبح كرامتي بكل برود. أذكر مرة أنني عاتبتُه بدموع وبصوت حاد وعصبيه محبوسة وقلت له: ‘لماذا تركتني أنتظر كل هذه الساعات دون أن تبلغني حتى بإنك لن تأتي؟’.
نظر إليّ ملامحه الوسيمة التي لم تهتز، وقال برعونة لا يقبلها عقل: ‘لقد وجدتُ أمي وإخوتي يجلسون جلسة جميلة، فجلستُ معهم.. ونسيتُ الموعد تماماً!’.
هكذا بكل بساطة.. نسيني! لم يكلف نفسه حتى عناء إتصال تلفوني صغير يحميني من نظرات الانتظار ويحفظ كرامتي أمام عائلتي. كان خوفي على زعلنا يقابله انعدام كامل للخوف على مشاعري من طرفه.
في تلك اللحظة تيقنتُ أن هذا ‘الطاووس’ لا يملك أدنى مقومات احترام الأنثى، وأن عقابه لي بالإهمال وعدم الاهتمام كان طريقته الهادئة للإهانة.
حبال الحصار وطوق النجاة الزائف
”لم يكن استسلامي ومضِيّي في هذه الزيجة مجرد ضعف، بل كان رضوخاً لحصار محكم لم أقو على كسر قيوده. كنت أعيش في ظروف أسرية لم تكن هي الأفضل، ظروفاً طالما تمنيت الفكاك منها، فجاء هو بملامحه الوسيمة ووعوده البراقة ليمثل لي ‘طوق النجاة’ والبوابة التي سأخرج منها نحو حريتي وحياتي المستقلة. كنت أظنني أهرب من ضيق واقفي إلى اتساع أمانه، ولم أكن أعلم أنني أستبدل سجناً بسجن أشد قسوة.
وفي المرة الوحيدة التي انتفضت فيها كرامتي، وقررت أن أضع حداً لإهاناته الصامتة وإلغائه لمواعيدي، وتجرأت على اتخاذ موقف يحمي بقايا كبريائي؛ انقلب الفارس الوديع إلى وحش كاسر. لم يحتمل أن ترفض طاعته امرأة، فاجأني بتهديد وعيد صريح وعنيف، هددني بهدم كل شيء، وبأن يتركني وحيدة أواجه ألسنة الناس في قريتنا، مستغلاً في ذلك وسامته وسمعته أمام الجميع ونفوذه الاجتماعي ليرعبني: ‘لو مشيتِ الآن أو صممتِ على عنادكِ، فلن تريني مجدداً، وسيعلم الجميع أنكِ أنتِ المخطئة!’.
تملكني الرعب.. رعب الفتاة التي تخاف من وصمة ‘المُطلقة قبل أن تبدأ’ أو ‘المفسوخ خطبتها’ في بيئة لا ترحم النساء ولا تلتمس لهن الأعذار. وحتى لو حاولت المقاومة، كانت تتدخل أطراف عديدة تحت مسمى ‘الإصلاح’، أصوات الأقارب والمحيطين كانت تضغط على عقلي المستنزف: ‘تحملي.. الرجل وسيم ومحسود والرجال كلهم هكذا، لا تخربي على نفسكِ من أجل توافه’.
تراجعتُ.. وانكمشت روحي في زاوية الخوف.
والأقسى من ذلك كله، أنه نجح في زرع فكرة مسمومة في عقلي طوال الخطوبة؛ فمع عينيه الزائغتين اللتين كانتا تلاحقان كل أنثى ملفتة في الشارع أمامي، بدأت أهتز من الداخل. تسللت إلى أعماقي تلك الفكرة المرعبة: ‘أنا لستُ كافية له.. هو جميل جداً وألف امرأة تتمنى نظرة منه، وأنا المحظوظة التي يجب أن تقبل بالفتات لتلتحف بظله’.
وهكذا، بين فكّي الخوف من كلام الناس، والهروب من ظروفي الأسرية، وتحت وطأة التهديد وبث الشك في أنوثتي، سِقتُ نفسي بكامل وعيي الجريح نحو المقصلة. وافقتُ، وجاء يوم الزفاف، وارتديت الثوب الأبيض، وسط زغاريد النساء وحسد الأعين.. وأنا أخطو بقدمين ترتجفان نحو بيت الزوجية، مدركة في أعماقي أن ‘السند’ الذي أزف إليه، ليس سوى قناع لسراب مدمر.”.
ليلة الزفاف
بين غياب الاحتواء العاطفي،وبين زوج لايري في لحظات ضعفي فرصة للحب بل يراها تعطيلا لراحته أو إحراجا له.
”لم تكن ليلة الزفاف كما يصورونها في الروايات؛ لم تكن ليلة سكنٍ واحتواء. في لحظات خوفي وتلعثمي، حين كنت أنتظر منه كلمة حانية، لم أرَ رجلاً يطمئن روحاً ترتجف، بل رأيت طفلاً غاضباً يسكن جسد رجل.
كلما زاد ارتباكي، زاد غضبه هو، وكأن خوفي إهانة شخصية لمكانته، أو ‘تأخير’ غير مبرر لاحتياجاته. بعد محاولات فاشلة اتسمت بالخشونة والافتقار لأي ذرة تعاطف، انطفأ في عينيه أي بريق، واستدار بجسده ليعطيني ظهره، تاركاً خلفه برودةً سكنت قلبي، وأسئلةً حائرة حول هذا ‘اللامنطق’ الذي أعيشه.
لم يكتفِ الليل بذلك، بل جاء الصباح ليفتح أبواب الجحيم. تسللت كلمات والدته الحادة من خلف باب الغرفة، كأنها خناجر مقصودة لتسمعها أذناي؛ كلمات قاسية، مهينة، تفتش في أخص خصوصياتنا.
كنت أتوقع منه أن يدافع، أن يحفظ كرامتي كزوجته، لكن الصدمة كانت أعظم؛ سمعته بكل برود يلقي باللوم عليّ أمامها، يصورني كـ ‘عائق’ تسبب في إرهاقه، متجاهلاً أن بروده هو ما جعل اللحظة مستحيلة.
وكأن الغدر لم يكتمل، اقتحمت الأم غرفتنا—ملاذي الأخير—بجرأةٍ ، وبدأت تُسمعني مقارنات لا أخلاقية بيني وبين ابنتها المتزوجة في نفس الليلة، لتجعلني أشعر بأنني الأقل، الأضعف، والأكثر فشلاً. وما أن أغلقت الباب خلفها، حتى دخل هو، واضعاً قناع ‘المعتذر الضعيف’، يطلب السماح بكلمات باردة: ‘سامحيني، أنا أقول لها هكذا فقط لأخرج من حرج الموقف’.
في تلك اللحظة، لم أبك على ما حدث بيننا، بل بكيت لأنني أدركت أنني لست أمام زوج، بل أمام شخصية ممسوخة، رجل يبيع زوجته في سوق المزايدات العائلية ليرضي أمه، ثم يعود ليمثل دور الضحية أمامي، الإعتذار الزائف بعد إهانة أمه ليس نابعاً من ندم بل هو تكتيك لامتصاص غضبي كي لا أثور استعطافا لمشاعري.
كان ذلك هو الدرس الأول في مدرسته القاسية: لا وجود للحقائق، فقط وجود لمن يمتلك صوتاً أعلى، ومن يلقي باللوم أسرع.
التناقض بين “قوته” أمام الناس و”ضعفه وتملصه” أمام أمه خشية من ضعفه أمام سلطة الأم (أو من يمثل سلطتها) وإسقاطه لحظه الفشل على زوجته كانت الصدمة الأولى في ليلة زفافي وأنا أنظر إليه والحسرة تملأ نفسي هذا هو الرجل الذي كنت أفتخر بقوة شخصية، أين هي الآن!! .
*من كتابي الجديد” ظننته سندا”.. تحت الطبع
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع