حكيم جماعين
تنهض تجربة التشكيلي إبراهيم العطار على مشروع بصري يتجاوز حدود الانتماءات الأسلوبية المغلقة، فلا الواقعية لديه تمثل غاية نهائية في ذاتها، ولا التعبيرية تشكل إطارا مرجعيا مكتملًا لخطابه التشكيلي، بل تبدوان معا محطتين ضمن مسار أكثر اتساعا يسعى إلى مساءلة العلاقة بين الرؤية والوجود، وبين الإدراك الحسي وبنية العالم.
هذا ما تجدونه خلال معرضه “معنى كلمة لوحة” في قاعات جاليري ضي الزمالك.

ومن هنا تتبدى أعماله بوصفها ممارسة جمالية تنشغل بكشف ما هو كامن خلف المرئي، أكثر من انشغالها بتثبيت صورة الأشياء في حضورها المباشر.
إن الطبيعة، التي تشكل المنبع الأساسي لتجربة العطار، لا تظهر في أعماله باعتبارها نموذجا يُحتذى أو مشهدا يُعاد إنتاجه، بل باعتبارها مجالًا معرفيا وحقلا مفتوحا للخبرة البصرية.
فالعطار لا يقارب الطبيعة من منظور المحاكاة، وإنما من منظور الاكتشاف؛ إذ ينظر إليها بوصفها شبكة معقدة من العلاقات والإيقاعات والتحولات المستمرة التي لا يمكن القبض عليها عبر النقل الحرفي أو الوصف المباشر.
لذلك فإن ما يستحضره داخل اللوحة ليس صورة الطبيعة، بل طاقتها الداخلية، وحركتها الخفية، وإيقاعها المتحول الذي يتجاوز حدود الشكل الظاهر.

وفي هذا السياق تتقاطع تجربته مع التصورات الفلسفية الحديثة التي ترى أن الرؤية ليست فعلًا بصريا محضا، بل تجربة وجودية يتداخل فيها الجسد والذاكرة والحدس والوعي.
فالعالم في أعماله لا يُمنح بوصفه معطى جاهزا، وإنما يُعاد بناؤه عبر فعل الإدراك ذاته. ولهذا تبدو اللوحة فضاءً تتولد فيه الأشياء من جديد، لا بوصفها موضوعات خارجية، بل بوصفها إمكانات بصرية تنشأ داخل الحقل التشكيلي وتكتسب معناها من العلاقات التي تربطها ببعضها البعض.
ومن هنا يمكن فهم نزوع العطار المستمر نحو التحرر من سلطة الشكل بوصفه موقفا جماليا قبل أن يكون خيارا تقنيا. فالشكل لا يحتفظ باستقلاله الكامل داخل العمل، ولا يمارس هيمنته التقليدية على بقية العناصر، وإنما يدخل في حالة من الذوبان التدريجي داخل النسيج اللوني، بحيث تغدو الحدود أقل صرامة، وتصبح الكتلة أكثر قابلية للتحول والانفتاح.

إن ما نشهده ليس إلغاءً للشكل بقدر ما هو إعادة تعريف لوظيفته؛ إذ يتحول من عنصر وصفي إلى أثر بصري، ومن بنية مغلقة إلى مجال ديناميكي للظهور والتلاشي.
غير أن جوهر هذه التجربة يكمن في فلسفة اللون ذاتها. فاللون هنا لا يؤدي دورا تكميليا داخل التكوين، ولا يخضع لمنطق الوصف أو التمثيل، بل يتحول إلى بنية معرفية وجمالية قائمة بذاتها.
إنه ليس مادة تُضاف إلى اللوحة بعد اكتمالها، وإنما هو العنصر المؤسس الذي تنبثق منه العلاقات البصرية كافة. وبهذا المعنى يصبح اللون وسيطا بين العالم والمحسوس، وبين الفكرة وتجسدها البصري، فيتحول إلى لغة مستقلة تمتلك نظامها الخاص في إنتاج الدلالة والمعنى.
ولعل ما يميز تجربة العطار على نحو خاص هو اعتمادها ما يمكن تسميته بـ«التناغم المتنقل»، وهو مفهوم يتجاوز الفهم التقليدي للانسجام اللوني بوصفه استقرارا أو توافقا ثابتا.
فالتناغم في أعمال ابراهيم العطار ليس حالة ساكنة، بل حركة مستمرة داخل الحقل البصري، تنتقل فيها مراكز الجذب من مساحة إلى أخرى، وتتبدل خلالها الأوزان اللونية وفق منطق داخلي شديد الدقة.
إن العين لا تستقر عند نقطة واحدة، وإنما تُقاد عبر مسارات متعاقبة من العلاقات والإشارات البصرية التي تخلق إيقاعا متغيرا يحافظ، رغم تعدد تحولاته، على وحدة العمل وتماسكه.
هذا التناغم المتنقل يكشف عن إدراك عميق للبعد الزمني الكامن في اللون. فاللون لا يُقرأ دفعة واحدة، بل يُعاش بوصفه تجربة تتكشف تدريجيا مع حركة النظر داخل اللوحة.

ومن هنا يكتسب العمل بعدا أقرب إلى الموسيقى منه إلى الصورة الثابتة؛ إذ تتوالد العلاقات اللونية كما تتوالد النغمات داخل البنية الموسيقية، وتتشكل المعاني من خلال التوترات الدقيقة بين الانسجام والتباين، وبين الحضور والغياب، وبين الكثافة والشفافية.
كما أن هذا الوعي اللوني لا يقوم على الانفعال العابر أو الحدس غير المنظم، بل يستند إلى معرفة عميقة ببنية اللون النفسية والبصرية.
فالفنان يدرك أن القيمة الجمالية لأي لون لا تكمن في حضوره المنفرد، وإنما في موقعه داخل شبكة العلاقات التي تحيط به.
ولذلك تأتي انتقالاته اللونية محكومة بحسابات دقيقة تتعلق بالحرارة والبرودة، والعمق والسطح، والامتلاء والفراغ، والكتلة والفضاء. وما يبدو للوهلة الأولى حرية مطلقة في التعامل مع اللون سرعان ما يكشف عن نظام داخلي صارم يحكم حركة العناصر ويضبط توازناتها.
ومن هذا المنظور يصبح اللون حاملًا للمعرفة بقدر ما هو حامل للإحساس. فهو لا يثير الانفعال فقط، بل ينتج شكلًا من أشكال التفكير البصري. وهنا تقترب التجربة من التصورات الجمالية التي ترى أن الفن لا يعكس الواقع، وإنما يخلق شروطا جديدة لرؤيته. فاللون في هذه الأعمال لا يصف الطبيعة، بل يعيد اكتشافها؛ لا يقدمها كما تبدو للعين، بل كما تتجلى في الوعي والذاكرة والتجربة الإنسانية العميقة.
كما تتجلى أهمية هذه التجربة للعطار في رفضها المستمر لفكرة التكرار. فالفنان لا يراهن على صيغة ناجزة أو أسلوب مستقر، بل ينخرط في عملية بحث دائمة داخل إمكانات اللون والتحولات التي يمكن أن تنتج عنها.
ولهذا تبدو أعماله أشبه بمختبر جمالي مفتوح، تُختبر فيه العلاقات اللونية باستمرار، وتُراجع فيه القيم البصرية على نحو متواصل. إن كل لوحة تمثل سؤالًا جديدا أكثر مما تمثل إجابة نهائية، وكل تجربة لونية تبدو محاولة لتوسيع حدود الممكن داخل الفضاء التشكيلي.

إن القيمة الحقيقية لهذا المشروع الفني تكمن في قدرته على تحويل اللون إلى أفق فلسفي، وعلى جعل اللوحة مجالًا للتفكير في طبيعة الإدراك والوجود معا. فبين الواقعية التي تمنحه جذوره الأولى في العالم المرئي، والتعبيرية التي تفتح له أبواب الذات والانفعال، ينجح الفنان في تأسيس لغة بصرية خاصة، قوامها اللون بوصفه حدثًا معرفيا وجماليا في آن واحد.
وبهذا المعنى تغدو أعماله أكثر من مجرد تمثيلات للطبيعة؛ إنها تأملات بصرية في معنى التحول، وفي قدرة الفن على إعادة خلق العالم داخل فضاء من الضوء واللون والاحتمال المفتوح.
*الكاتب فنان وناقد تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع