حكيم جماعين
يقام على قاعة جاليري ضي الزمالك، معرض متميز للفنانة فاطمة عادل ” ماتبقى من الأمس” ، تقدم لنا به تجربة بصرية تنتمي إلى ذلك الحقل الجمالي الذي تتجاوز فيه الصورة وظيفتها التمثيلية لتغدو مجالاً لإنتاج المعنى وإعادة تشكيل المخيلة.

معرض فاطمة عادل بجاليري ضي الزمالك
فالمرأة هنا ليست موضوعاً تشكيلياً بالمعنى التقليدي، بل هي مركز ثقل رمزي تتقاطع عنده أسئلة الجمال والهوية والذاكرة والثقافة. ومن خلال هذا الحضور الكثيف تتشكل لغة بصرية تجعل من الأنوثة فضاءً للتأمل الجمالي ومجالاً لاستعادة القيم الإنسانية والروحية التي كثيراً ما تتوارى خلف ضجيج الواقع.

المرأة في فن فاطمة عادل
لا تتعامل الفنانة فاطمة عادل مع المرأة باعتبارها جسداً مرئياً أو نموذجاً وصفياً، بل بوصفها أيقونة جمالية مشحونة بالدلالات. والأيقونة هنا لا تحيل إلى القداسة بمعناها الديني فحسب، وإنما إلى ذلك الكيان البصري الذي يختزن طاقة رمزية قادرة على تجاوز حدود الشكل نحو أفق المعنى.

لذلك تبدو الشخصيات النسائية في الأعمال وكأنها تخرج من الزمن اليومي لتستقر في زمن جمالي موازٍ، حيث تتعالق الملامح الإنسانية مع إشارات الحلم والذاكرة والأسطورة.
أفكار في معرض فاطمة عادل
وفي هذا السياق تكتسب أعمال المعرض بعداً فكرياً يمكن مقاربته من خلال أطروحات المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها «هل أنتم محصنون ضد النساء؟».

فقد سعت المرنيسي إلى تفكيك البنى الثقافية التي تحاول اختزال المرأة داخل صور نمطية جامدة، مؤكدة أن قوة المرأة لا تكمن في حضورها الجسدي فحسب، بل في قدرتها على التأثير الرمزي وإعادة تشكيل المجال الاجتماعي والثقافي.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الأعمال بوصفها استعادة لسلطة الحضور الأنثوي، حيث تتحول المرأة إلى ذات فاعلة تمتلك مركزية المشهد وتعيد صياغة علاقتها بالعالم من موقع المبادرة لا التبعية.

الجمال في لوحات فاطمة عادل
إن فاطمة عادل لا تكتفي بإبراز الجمال بوصفه قيمة شكلية، بل تعيد تعريفه بوصفه تجربة معرفية. فالجمال هنا ليس زينة بصرية أو متعة حسية عابرة، وإنما وسيلة لفهم الإنسان والعالم. ولهذا تتخذ الوجوه النسائية طابعاً تأملياً عميقاً، فيما تنبثق النظرات من داخل اللوحة كما لو أنها تدعو المتلقي إلى حوار صامت مع الذات والذاكرة والوجود.

تراث المنمنمات
وتتجلى إحدى أهم الخصائص الجمالية للمعرض في استلهامه الواعي لتراث المنمنمات الإسلامية. فالمنمنمة ليست مجرد مرجع بصري أو عنصر زخرفي، وإنما منظومة جمالية كاملة تقوم على الاحتفاء بالتفاصيل الدقيقة، وتحرير الصورة من مركزية المنظور الواحد، وفتح المجال أمام تعدد مستويات القراءة.

ومن خلال هذا الإرث البصري تنجح الفنانة في بناء فضاءات مركبة تتجاور فيها العناصر الزخرفية والنباتية والهندسية مع الهيئة الإنسانية في نسيج بصري واحد.
الجماليات
لقد أسهمت المنمنمات تاريخياً في إنتاج جماليات تقوم على التكثيف والاختزال والثراء الدلالي، وهو ما ينعكس بوضوح في أعمال هذا المعرض. فكل تفصيل داخل اللوحة يؤدي وظيفة سردية أو رمزية، وكل عنصر لوني أو زخرفي يتحول إلى علامة تساهم في بناء المعنى الكلي.

كما أن غياب العمق المنظوري التقليدي لصالح الامتداد الأفقي للعناصر يمنح المشهد طابعاً تأملياً يحرر العين من سلطة المركز ويدفعها إلى التجوال داخل فضاء اللوحة.
اللون في الخطاب الجمالي
أما اللون فيمثل أحد أهم مرتكزات الخطاب الجمالي في هذه الأعمال. فهو لا يؤدي وظيفة وصفية بقدر ما ينهض بدور تعبيري ورمزي، حيث تتناغم الألوان في علاقات إيقاعية دقيقة تمنح الشخصيات النسائية هالة من الصفاء والسمو. وتتحول المساحات اللونية إلى حقول وجدانية تستدعي الإحساس بالسكينة والحنين والحلم، فتغدو اللوحة أقرب إلى قصيدة بصرية مكتوبة بالألوان.

قيمة المعرض
إن القيمة النقدية لهذا المعرض تكمن في نجاحه في بناء رؤية جمالية تجعل من المرأة مركزاً لإنتاج المعنى، لا موضوعاً للاستهلاك البصري. فالمرأة هنا تظهر بوصفها أيقونة للحياة والخصب والذاكرة والجمال، فيما تستعيد المنمنمات دورها بوصفها مرجعاً جمالياً قادراً على تجديد اللغة التشكيلية المعاصرة.

التراب والحداثة
وبهذا تحقق الفنانة توازناً دقيقاً بين التراث والحداثة، وبين الحساسية البصرية والفكر النقدي، مقدمة تجربة فنية تفتح أمام المتلقي آفاقاً واسعة للتأويل والتأمل.
إننا أمام معرض لا يحتفي بصورة المرأة فحسب، بل يحتفي بفكرة الجمال ذاتها؛ ذلك الجمال الذي يتجسد في القدرة على تحويل الشكل إلى معنى، واللون إلى إحساس، والمرأة إلى أيقونة تتجاوز حدود المرئي لتسكن فضاء المخيلة والوجدان.
*الكاتب فنان وناقد تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع