الخميس , 15 أكتوبر , 2026
أخبار عاجلة

حسين متولى يسطر: لم أعد حرا.. وكل المعارك أصغر من اهتماماتى

ولن أخفي عنكم هذا السر: منذ أكثر من 10 سنوات وأنا غير مستمتع بممارسة أي عمل صحفي أو إعلامي. ولا أشعر بسقف حرية اعتدته قبل 2011، وأي فعل إيجابي أو نجاح لي بعد هذا التاريخ هو أقل مما اعتدت بكثير رغم دوائر المحن التي لم تكن لتنتهي أو تتلاشى بسهولة.

 

كما أنني دون حماية من غدر الصحة بعد كوفيد 19 ولا أرى بطلا حقيقيا يمكن تمييزه بين أجساد هؤلاء وأولئك، حتى كل لاعبي الكرة الذين يظهرون على الشاشات يركضون خلفها، غير مقتنع بلياقتهم كأبناء جيلي.

 

أنا محبوس داخل ماض أعشق تفاصيله، أترك نفسي لما عشته من قبل وفقط، وكأنه أثر دراسة التاريخ علي، أو ربما حكمة الزمن الذي أمدني بقدرة على التمييز والتعلم من التجربة، ولو أنها الحياة التى تفرض دروسها علينا، وتمنحنا فرص نيل السعادة سرقات، وأنا لست باللص البارع خفيف الحركة و اليد.

 

أنا حقا لست حرا، لكنني أحتفظ داخلي بعشق كل مساحة حرية تحركت وعشت فيها واعتدت عليها، وإن تقلصت ابتعدت عنها باتجاه البراح الذي بداخلي، ففيه متسع لا يفهمه غيري.

 

لم أعد أهتم بفهم الكلمات على حقيقتها، ولا قبول الناس على شاكلتهم، فلا القول يحتمل الجد، ولا مهمتي تربية وتهذيب البشر، أريد أن يمر اليوم وكفى، وهذا لم يكن أنا.

 

ربما قبل الأربعين، كنت ذلك الثائر الهائج الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة من الأزمات إلا واشتبكت معها، عادة طفولية يعرفها عني الأقربون، الجيران، أصدقاء اللعب والعمل، أنني عاشق للاشتباك، باحث دائم عن المصائب، فاتح صدري أمام كل ما يعتزله من حولي، وكأنها جرأة كبرى منحتني إياها قوة قدمي اليسرى الطائشة التي انفجرت كرات اللعبة الشعبية بقذائفها مرات ومرات، في جدران الحوائط، داخل حاراتنا المتصدعة، قبل فقدان الدفء بها، قبل أن يهجرها الكبار إلى القبور، وتغزوها سلوكيات الكيف الاصطناعي.

 

بعد كل عناء الاهتمام أصبحت أستثمر في فضيلة التجاهل، ووديعة الترك، ولا أخشى البوح والاعتراف، صرت أكثر صراحة عن ذي قبل، كلماتي أدق في وصف مقصدي، دون رسم أي زجزاج تلاعبت قدماي على منحنياته داخل مستطيلات خضراء بين النشء.

 

الآن أرى كل المعارك أصغر من اهتماماتي، وأطرافها ومن يسعون للاحتكاك بي أو الاشتباك معي أقل ممن اعتدت على مبارزتهم، أراهم دون المستوى صراحة، ولا أعتني بما يحصدونه من اعتزالي طريقهم وطريقتهم.

 

أريد أن يمر اليوم هادئا، ولو مر العمر معه، حتى أذهب إلى حياتي التي لا تعاش هنا، أريد أن أقدم لها من هنا فلا أندم هناك، فهناك لا مجال للندم ولا قبول لاستئذان.

 

اللهم إن حريتي بيدك فامنحني إياها، هي رزقك المحبب إلى نفسي، وما تخيرت مما وهبتني، اللهم لا تجعلها بيد أحد من عبادك ولا تسقطني تحت رحمة عبيدك فأكثرهم لا يفقهون، لا يعقلون، لا يشكرون، ولا يتفكرون.

 

*المصدر: الصفحة الشخصية للكاتب