بقلم/ حكيم جماعين
ثمة فرق جوهري بين أن يرسم الفنان الإنسان، وأن يتخذ من الإنسان موضوعاً للتفكير. ففي الحالة الأولى تكون اللوحة وسيطاً بين العين وموضوعها أما في الثانية فإن الموضوع نفسه يصبح موضع مساءلة، وتتحول الصورة من تمثيل للواقع إلى موقف منه.
وفي أعمال مجدي عثمان يبدو أن البورتريه قد غادر وظيفته الوصفية منذ البداية، ليصبح بحثاً في ذلك الكائن الملتبس الذي نسميه «الإنسان»، وفي المسافة التي تفصل صورته عن حقيقته، أو لعلها المسافة التي يستحيل فيها الوصول إلى حقيقة واحدة ونهائية.
لذلك فإن التشويه الذي يصيب بعض شخصياته لا ينبغي أن يُفهم باعتباره خروجاً منضبطاً عن النسب الأكاديمية، أو استعارةً لمفردات الحداثة الأوروبية وحسب. التشويه هنا ليس عيباً في الصورة، وإنما هو طريقة في التفكير. إنه يحدث في الموضع الذي تتوقف فيه المحاكاة عن أن تكون كافية.

لقد جعل الفن الحديث من تشويه الهيئة أحد أكثر أسئلته إنتاجاً للمعنى. ومع بيكاسو والسرياليين وغيرهم، لم يعد الوجه مرآة مستقرة للهوية، بل أصبح قابلاً للتفكيك وإعادة البناء. غير أن تجربة مجدي عثمان لا تستمد مشروعيتها من التشابه مع هؤلاء، بل من قدرتها على تحويل هذا الإرث إلى لغة شخصية.
فالشخصية عنده لا تحمل آثار بيكاسو بقدر ما تحمل آثار تجربتها الخاصة ولا تنتمي إلى غرابة دالي بقدر ما تنتمي إلى عالم بصري له منطقه الداخلي.
وهنا تكمن أهمية المسألة: الفنان لا يشوّه الإنسان لكي يجعله غريباً، وإنما يجعله غريباً كي يحرره من الصورة التي اعتدنا أن نراه بها.
فالوجه، في الوعي الاجتماعي، ليس مجرد تركيب عضوي. إنه بطاقة هوية رمزية. به نتعرف إلى الشخص، ومن خلاله نصنفه، ونقرأ عمره ومهنته ومكانته وانتماءه، ونضعه ــ بوعي أو من دونه ــ داخل شبكة من الأحكام المسبقة. الوجه إذن ليس ملكاً لصاحبه وحده المجتمع يشارك في إنتاج معناه.

ومن هذه الزاوية تصبح ممارسات مجدي عثمان في البورتريه ذات بعد اجتماعي واضح. حين تتغير الملامح، وتختل النسب، ويتراجع التشابه المباشر، فإن الفنان لا يعبث بالهيئة فحسب إنه يعطل آلية التعرف الاجتماعي. إنه يمنعنا من أن نكتفي بالقول: «هذه هي الشخصية». يجبرنا على أن نتوقف عند سؤال آخر: ماذا بقي من الشخصية عندما أُزيحت عنها الصورة الجاهزة؟
وهذا سؤال يتجاوز الفن إلى الفلسفة.
فالإنسان، منذ أن بدأ يتأمل ذاته، يعيش بين صورتين: صورة يكونها عن نفسه، وصورة يصنعها الآخرون عنه. وبين الصورتين تتكون منطقة واسعة من القلق والاغتراب. نحن لا نعيش فقط كما نحن، وإنما كما نُرى، وكما نريد أن نُرى، وكما نخشى أن يرانا الآخرون. ومن هنا يصبح الوجه منطقة صراع بين الذات ونظرة الآخر.
مجدي عثمان.. حين تصبح الصورة سؤالاً عن الإنسان
في هذا السياق يمكن فهم التشويه عند مجدي عثمان بوصفه كشفاً لهذه المنطقة المضطربة. إنه لا يقدم لنا وجهاً ناقصاً، بل وجهاً منزوع الطمأنينة. وجهاً لم يعد قادراً على أن يكون مجرد علامة تعريف، لأنه يحمل في داخله آثار ما لا يمكن التعرف إليه بسهولة.

إنها لحظة تلتقي فيها الفلسفة بالتشكيل: ما لا يمكن قوله بالكلمات يظهر في انحراف الخط، وفي اتساع مساحة، وفي اختلال نسبة، وفي عين لا تقع حيث تتوقعها العين الأخرى.
وهنا، كرسام، أجد أن الحديث عن أعمال مجدي عثمان لا يستقيم إذا فصلنا الفكرة عن مادتها. فالفكرة في العمل التشكيلي ليست جملة يمكن استخراجها ثم ترك اللوحة جانباً الفكرة هي ما تفعله المادة وهي تتشكل. إن المعنى يسكن في طريقة وضع اللون كما يسكن في الموضوع، وفي علاقة المساحة بالفراغ كما يسكن في الملامح.
ولهذا فإن جرأة عثمان في الموضوع لا تنفصل عن جرأته في بناء اللوحة.
فهو لا يمنح العين دائماً ذلك التوازن المريح الذي يجعلها تستقر في مركز واضح، ولا يوزع العناصر وفق هندسة مطمئنة يمكن قراءتها من النظرة الأولى. ثمة انزياح مقصود في مراكز الثقل، وتفاوت في قيمة المساحات، وإصرار على أن تكون بعض العناصر في الهامش بينما تمارس، paradoxically، سلطة المركز.

وهذا من أكثر ما يلفت النظر في بناء اللوحة عنده.
فالهامش ليس هامشاً بالضرورة. وقد تكون البقعة التي تبدو لأول وهلة ثانوية هي التي تمسك بإيقاع العمل كله. العين تدخل من مكان، ثم تكتشف أن اللوحة تقودها إلى مكان آخر. وهنا لا يعود المشاهد متلقياً سلبياً يصبح مشاركاً في إنتاج العلاقات الداخلية للعمل.
إن التكوين الجيد، في تقديري، ليس هو التكوين الذي يخفي قوانينه، بل الذي يجعلنا نشعر بها قبل أن نعرفها. وعند عثمان نجد أن الاختلال الظاهري لا يعني غياب النظام، بل يكشف عن نظام أكثر خفاءً. اللوحة لا تبدو متوازنة بالمعنى الأكاديمي، لكنها تمتلك توازناً داخلياً توازناً بين الكتلة والفراغ، وبين صدمة اللون وهدوء المساحة، وبين ما يظهر وما يظل معلقاً.
وهذا تحديداً هو الفرق بين الفوضى والتكوين.
الفوضى لا تعرف أين تتوقف، أما التكوين فيعرف كيف يجعل الاختلال قابلاً للرؤية.
ومن هنا يصبح التكوين عند مجدي عثمان ترجمة بصرية لفكرة أوسع عن العالم. فالعالم الاجتماعي الذي نعيش فيه لا يقوم على تناظر حقيقي هناك دائماً مراكز وهوامش، ظاهر ومضمر، سلطة وصمت، حضور وغياب. وما يفعله الفنان أنه يعيد إنتاج هذه العلاقات داخل فضاء اللوحة، لا بطريقة توضيحية مباشرة، وإنما عبر هندسة العين.

لذلك يمكن النظر إلى اللوحة بوصفها نموذجاً مصغراً للمجتمع: لكل عنصر موقع، ولكل موقع قيمة، وما يبدو في الهامش قد يكون أكثر تأثيراً من ذلك الذي يحتل المركز. وهذه إحدى أكثر الإمكانات عمقاً في الفن التشكيلي أن يستطيع أن يجعل العلاقات الاجتماعية مرئية دون أن يرسمها بوصفها موضوعاً اجتماعياً مباشراً.
أما اللون، فهو الحيز الذي تبلغ فيه التجربة درجة أخرى من الإفصاح.
الألوان الصريحة عند مجدي عثمان لا تبدو راغبة في الاعتذار عن وجودها. الأحمر لا يتخفى، والأزرق لا يطلب الإذن، والأخضر لا يتحول إلى خلفية محايدة. اللون يحتل مساحته ويعلنها. لكنه، في الوقت نفسه، ليس لوناً ساذجاً أو أحادي المعنى فالصراحة الخارجية تخفي تركيباً داخلياً من الدرجات والعلاقات والتجاورات.
وهنا أرى أن اللون لديه يقوم بوظيفتين في آن واحد: وظيفة تشكيلية ووظيفة وجودية.
تشكيلية لأنه يبني الكتلة والإيقاع ويحدد العلاقات بين العناصر، ووجودية لأنه يمنح الأشياء درجة من الحضور لا تسمح لها بأن تذوب في الحياد.
فاللون الصريح هو، في جانب منه، موقف من العالم.
إنه رفض لذلك النوع من الألوان التي تتوارى خلف الموضوع. اللون هنا لا يخدم الشخصية فحسب إنه يشارك في صياغة شخصيتها. وقد يحدث أن يكون اللون أكثر إفصاحاً عن الحالة من الملامح ذاتها. فهناك أحياناً ما لا تستطيع العين أن تقوله، ويستطيع الأحمر أو الأزرق أن يقوله بمجرد حضوره.
ولذلك فإن العلاقة بين الشكل واللون في أعمال عثمان ليست علاقة تزيينية. اللون لا يكسو الشكل، والشكل لا يستعمل اللون كزينة. كلاهما يتداخل في إنتاج المعنى. وحين يتشوه الوجه، يتدخل اللون في تثبيت هذا التشوه أو مقاومته وحين ينحرف التكوين، يصبح اللون إحدى القوى التي تعيد ضبط توازن اللوحة.
إن اللوحة هنا لا تُبنى بعنصر واحد، وإنما بمجموعة من القوى المتعارضة التي تصل في النهاية إلى نوع من الوحدة.
وهذا يقودنا إلى عبارته المهمة عن الفن باعتباره «المعادل الموضوعي» لحياة تحكمها المشاكل وتعقدات الأمور.
هذه العبارة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تفسيراً نفسياً للتجربة فقط. إنها، في رأيي، مفتاح نظري لفهم المشروع كله. فالفن عند عثمان لا يبدو ملاذاً من الواقع بقدر ما يبدو طريقة لإعادة تنظيمه. الواقع يأتي إلى الفنان محملاً بالفوضى والقلق والالتباس، والفن يعيد صياغة هذه المواد في بنية يمكن تأملها.
إن الفنان لا يحل المشكلة إنه يمنحها شكلاً.
وهذه نقطة جوهرية. فالفن الكبير ليس بالضرورة ذلك الذي يقدم إجابات، وإنما ذلك الذي ينجح في تحويل السؤال إلى صورة لا تفقد قدرتها على إزعاجنا.

من هنا يمكن أن نفهم التجريب عند مجدي عثمان. التجريب ليس بحثاً عن غرابة جديدة، ولا تبديل الأدوات لمجرد الاختلاف، وإنما هو محاولة مستمرة لاختبار قدرة الصورة على حمل التجربة. كلما تغيرت التجربة، احتاجت إلى لغة أخرى وكلما تغيرت نظرة الفنان إلى الإنسان، لم يعد ممكناً أن تظل أدواته ثابتة.
ولهذا فإن «المراحل» التي تمتد من التسعينيات إلى السنوات الأخيرة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها فصولاً زمنية فحسب. الزمن في الفن ليس تاريخاً على هامش العمل إنه مادة داخله. إن ما يمر بنا يغير طريقة رؤيتنا للأشياء، حتى حين لا ننتبه إلى ذلك. الفنان لا يعبر الزمن فقط، وإنما يترك الزمن أثره في عينه.
وعندما يقول الفنان إن أعماله تمثل مراحل في مساره، فإن الأهم ليس عدد هذه المراحل، وإنما ما تكشفه من تحول في الحساسية. فكل مرحلة هي طريقة مختلفة في النظر إلى العالم، وفي ترتيب العلاقة بين الذات والموضوع، وبين الشكل والمضمون، وبين الذاكرة والحاضر.
وهنا تكتسب فكرة الزمن بعداً اجتماعياً أيضاً.
فالفنان لا يعيش خارج عصره. حتى عندما يرسم وجهاً لا يحمل علامة سياسية مباشرة، فإن العصر حاضر في طريقة رؤيته لهذا الوجه. في القلق الذي يسكنه، وفي شكل الجسد، وفي المسافة بين الشخصيات، وفي صراحة اللون، وفي الشعور الذي تتركه اللوحة لدى من يراها.
الفن لا يحتاج إلى أن يرسم المجتمع لكي يكون اجتماعياً.
يكفي أن يكشف كيف صار المجتمع يسكن داخل الإنسان.
وهذا، في تقديري، أحد المفاتيح الأساسية لقراءة تجربة مجدي عثمان.
إن شخصياته لا تبدو معزولة عن العالم بقدر ما تبدو حاملة لآثاره. إنها أجساد فردية، لكنها تحمل توترات جماعية. وجوه خاصة، لكنها تنتمي إلى زمن أوسع منها. ومن هنا يتجاوز البورتريه حدود «الشخص» إلى ما يمكن تسميته بالبورتريه الاجتماعي للإنسان المعاصر.
إننا لا نرى الفرد فقط نرى شيئاً من الشروط التي صنعت صورته.
وهذا ما يجعل التشويه أكثر من مجرد تقنية. إنه أثر من آثار الصراع بين الإنسان والصورة التي يُطلب منه أن يكون عليها.
في النهاية، لا أعتقد أن تجربة مجدي عثمان تستدعي البحث عن مرجع فني واحد يفسرها. التجربة الأكثر نضجاً هي التي تصبح مراجعها جزءاً من ذاكرتها، ثم تتجاوزها لتصنع من المادة الموروثة حساسية خاصة. وهذا ما يهم في تجربته: ليس أنه استخدم التشويه، أو اللون الصريح، أو التكوين غير المتناظر، وإنما أنه جمع هذه العناصر داخل رؤية لها قلقها الخاص.
إن أعماله لا تقول إن العالم مشوه، ولا تقول إن الإنسان غريب إنها تضعنا في الموضع الذي يصبح فيه السؤال عن التشوه والغرابة سؤالاً عن معيارنا نحن.
وهنا تكمن قيمة الفن.
فاللوحة لا تغير العالم بالضرورة، لكنها تستطيع أن تغير موضع العين منه.
ومجدي عثمان، في أفضل لحظات تجربته، لا يطلب من العين أن تصدق ما تراه، وإنما يدفعها إلى الشك فيما اعتادت أن تراه. الوجه لم يعد وجهاً فقط، واللون لم يعد لوناً، والتكوين لم يعد ترتيباً للعناصر. كل شيء يتحول إلى علامة على شيء أبعد منه.
لهذا تبدو تجربة مجدي عثمان في جوهرها بحثاً عن الإنسان من خلال ما يختل في صورته، وعن الحقيقة من خلال ما يعجز الشكل عن قوله مباشرة. إنها تجربة تنطلق من الواقع، لكنها لا تستسلم لسطحه تدخل إلى المرئي لكي تبحث عن اللامرئي، وتستخدم التشويه لا لتبتعد عن الإنسان، بل لتقترب منه.
وربما هنا تحديداً تكمن مفارقتها الجميلة: كلما ابتعدت الشخصية عن التشابه، ازدادت قابليتها لأن تكون إنساناً وكلما اختل التكوين الظاهري، ظهر نظام أعمق في الداخل وكلما بدا اللون أكثر صراحة، ازدادت طبقاته الدلالية.
وهكذا لا تصبح «المراحل» مجرد محطات في سيرة فنان، بل طبقات من سؤال واحد يتغير شكله ولا يتغير جوهره:
كيف يمكن للفن أن يرى الإنسان بعد أن تتساقط عنه الصور التي صنعها لنفسه وصنعها الآخرون له؟
هذا هو السؤال الذي، في تقديري، يجعل تجربة مجدي عثمان قابلة للقراءة لا بوصفها تجربة في الرسم فقط، وإنما بوصفها تجربة في النظر والنظر، في الفن كما في الفلسفة، ليس مجرد فعل العين، بل أحد أشكال التفكير.
*الكاتب ناقد وفنان تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع