أخبار عاجلة

النساء حلمن بـ «الحرية» فصنعن «التاريخ»

*نبوية موسى «تسرق» ختم والدتها لتلتحق بالمدرسة.. فتصير أول «ناظرة» في تاريخ المدارس المصرية الحديثة
*مى زيادة تعلن صالونها الأدبي في بهو جامعة القاهرة.. وروزاليوسف تختلف مع يوسف وهبى فتتحول من المسرح للصحافة

كتبت_ مرام شوقى
يعد عقد العشرينيات من القرن الماضى مرحلة مؤثرة فى التاريخ المصرى والعربى ليس فقط على مستوى الأدب ولكن على كل المستويات، خاصة أنها الفترة التى تلت الحرب العالمية الأولى، والتى بدأ فيها تشكيل الوعى الأدبى والحداثة الفكرية للمنطقة وظهور مفهوم جديد للحرية، و برز فيها دور النساء وتأثيرهن.
ورغم زيادة مطالبة المرأة فى هذه الفترة بحقوقها إلا أن الطريق لم يكن مفروشًا دائما أمامهن بالورود، وخلال سنوات ثارت سجالات من الجدل فى الكثير من القضايا من قبل النخبة المثقفة سواء كانوا رجالا أو نساء، مثل تعليم المرأة والمشاركة فى الحياة النيابية، شارك بها الكثيرات من المناضلات اللاتى كن اللبنة الأولى لهذا البناء فى العقد السابق للعشرينيات، أمثال الكاتبة ملك حفنى ناصف، والكاتبة وردة اليازجى، ثم ظهرت الكتابات النسائية خاصة فى مصر والشام، وكان بينهما تواصل وتكامل كبير فى حينها، بالإضافة لظهور الصالونات الأدبية وانتشارها وعلى رأسها صالون الكاتبة مى زيادة، ولا نغفل دور الصحافة المهم فى النهضة النسائية وانتشار المفاهيم الجديدة للحريات.
الحرية طريق الإبداع
العديد من الكاتبات كن الوجه الأمثل للثقافة والتفرد الفكري، من أبرزهن نبوية موسى، إحدى رائدات التعليم والعمل الاجتماعى خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهى أول ناظرة مصرية، وكانت من رعاة الدكتورة سميرة موسى عالمة الذرة المصرية، كذلك كانت من رائدات العمل الوطني وتحرير المرأة والحركات النسائية المصرية القرن الماضي، فقد ولدت نبوية موسى محمد بدوية فى 17 ديسمبر 1886 بقرية كفر الحكما بندر الزقازيق، بمحافظة الشرقية. كان والدها ضابطًا بالجيش المصري برتبة يوزباشي، يمتلك فى بلدته بمديرية القليوبية منزلًا ريفيًا كبيرًا وبضعة فدادين يؤجرها حين يعود لمقر عمله.
عندما بلغت الثالثة عشرة مِن عمرها، أرادت نبوية أن تلتحق بالمدرسة، إلا أن أسرتها رفضت بشدة، ولكنها حاولت بشتى الطرق حتى تضمن لنفسها مقعدًا دراسيًا واضطرت إلى سرقة ختم والدتها لتزوّر موافقته على الالتحاق، وبالفعل بدأت فى تلقى الدروسِ ﺑالمدرسة السنية للبنات، ونالت شهادة التعليم الابتدائى بتفوق عام 1903.
كانت المساواة شعار نبوية موسى، فلم تقبل أن تأخذ المرأة نصف راتب الرجل، فقررت دخول معركة البكالوريا -الشهادة الجامعية- لتتساوى مع خريجى المعلمين العليا، ولذلك أنشأت الحكومة لجنة خاصة لامتحانها ونجحت فى النهاية. وكانت أول سيدة مصرية تصبح مديرة لمدرسة فأخذت على عاتقها تعليم الفتيات والمطالبة بحقوقهن، كما أنها تعتبر من أوائل مؤسسى الاتحاد النسائى فى مصر بمشاركة هدى شعراوى.
لها العديد من الكتب، مثل «المرأة والعمل» و«المطالعة العربية لمدارس البنات» و«تاريخى بقلمى»، توفيت عام 1951 بعد أن وهبت عمرها للنضال النسوى.
الصالونات الثقافية تراث ممتد لأجيال
نساء العشرينيات – بلا مبالغة – غيّرن وجه التاريخ ولعبن دورا مهما فى إثراء الوسط الأدبى والثقافي، ولعل أبرز ما ظهر فى تلك الفترة هى الصالونات الأدبية التى فتحت المجال أمام الكاتبات النساء للتواجد والظهور، وأهمهما «صالون مى زيادة» التى جمعت فيه قامات الأدب، قبل فترة العشرينيات واستمرت لما بعدها.
لعل ما شكل شخصية مى زيادة هى الكاتبة ملك حفنى ناصف الملقبة بـ«باحثة البادية» التى اعتبرتها مثلا تحتذى به، فقامت بعمل مجموعة من المقالات والدراسات عنها والتى تم إعادة نشرها مجمعة فى كتاب فى الذكرى الـ 40 لوفاة ملك.
كانت مى زيادة دائما تحبذ الاجتماعات النسوية وتنوه عن الفائدة منها، خاصة أن فيها يتاح لهن مناقشة شئونهن بحرية، ومن هنا بدأت فكرة إنشائها صالونا ثقافيا خاصا يتم مناقشة الأعمال الأدبية فيه، وأصبح الأول من نوعه الذى تديره امرأة، وكان يقام بشكل دورى أسبوعيًا، ولم يقتصر فقط على النساء بل جمع الجنسين، فكان أبرز الحضور فيه: الكاتب لطفى السيد، وشبلى شميل، ويعقوب صروف، وطه حسين، والشاعر خليل مطران والكاتب عباس العقاد.
كانت بداية انعقاد صالون مى الأدبى فى شهر مايو 1913م، وكان إعلان الانطلاقة الفعلية له فى 24 أبريل 1913م عند وقوفها خطيبة لأول مرة فى بهو الجامعة المصرية، لإلقاء كلمة الشاعر جبران خليل جبران نيابة عنه فى تكريم الشاعر خليل مطران، وذلك بمناسبة الإنعام عليه بوسام رفيع، وبعد أن ألقت الخطبة على جمهور الحاضرين، تلتها كلمة لتحية المحتفى، وفى نهاية الكلمة وجهت الدعوة لعقد صالون أدبى فى بيتها، ليكون ليوم الاثنين من كل أسبوع شرف عقد هذا الصالون الأدبي، فكان فى بداية الأمر يعقد فى بيتها بمسكنها فى شارع عدلى بوسط القاهرة وكان يحمل اسم «شارع المغربى» لينتقل مقره بعد ذلك إلى إحدى عمارات جريدة الأهرام، واستمر حتى نهاية الثلاثينيات، وفيه استقطبت كبار المفكرين والكتاب والشعراء، ونوعيات مختلفة من علية القوم والأثرياء والأدباء المعدومين كذلك، ليتحقق بذلك العدل فى الحاضرين، وكان الصالون رحبا فسيحا، أمّا أثاثه فاختارته بنفسها، ليكون كما تتصوره وعلى ذوقها الرّفيع، وعلّقت فى صدر الصالون أبيات للإمام الشافعى، وأصبح قبلة الأدباء والشعراء.
الصحافة النسائية.. الوجه الفاعل للحرية فى العشرينيات
دائمًا ما لعبت الصحافة الدور الفاعل فى تغيير المفاهيم والقوانين، وكان لها دور البطولة فى نشر الفكر الجديد ودعم النهضة النسائية فى عقد العشرينيات، وبرزت فيه الكثير من الصحفيات المصريات والشوام اللاتى أثرن بمقالاتهن وأرائهن على المجتمع واستطاعن دفعه دفعا لتغيير نظرته للكاتبات والأدب النسوى ومنهن الكاتبة الصحفية روزاليوسف.
ولدت روز اليوسف فى «1 يناير1897-10 أبريل 1958»، في بيروت يتيمة الأم، وقدمت إلى مصر خلال فترة شبابها وعملت كممثلة مسرحية، فأول مسرحية أدتها كان عمرها 16 عاما، وكانت تتمنى الاستمرار إلا أن حياتها الفنية انتهت حينما اختلفت مع الفنان يوسف وهبى، وبدأت حينها مرحلة جديدة من حياتها كصحفية فأسست مجلة«روزاليوسف» عام 1925، لتكون مجلة فنية أسبوعية تدافع عن الفن والفنانين، ولكنها تحولت تدريجيا لتجمع بين الفن والثقافة.
تعد روز اليوسف حالة متفردة ومميزة فى عشرينيات القرن المنصرم فإصدار امرأة لمجلة كان حدثا فريدا ومؤثرا، كما أنها كانت ذات رأى جريء وهذا الذى جعلها تخوض الكثير من المعارك السياسية التى دخلت على إثرها السجن مرات عدة، وكانت تتبنى كل القضايا النسوية وتثورلاضطهاد النساء وتنادى بحريتهم الأمر الذى جعل المجلة تتوقف فى مرات عديدة ولكنها لم تستسلم وأصدرت فى فترات توقفها العديد من المجلات الأخرى مثل «الرقيب» و«صدى الحق». وفى عام 1935 أصبحت مجلة روز اليوسف يومية وعين الكاتب عباس محمود العقاد رئيسا لتحريرها، ولكن ما لبثت أن توقفت مرة أخرى ثم عادت، وما زالت تصدر حتى الآن.عمل فيها العديد من الكتاب المشهورين ومنهم ابنها الكاتب إحسان عبد القدوس، وتعد واحدة من أهم الصحف المصرية التى دافعت عن حقوق المرأة ووقفت فى وجه المحتل الإنجليزى أثناء وجوده فى مصر وخاضت العديد من المعارك لنيل الحرية.

*منشور بجريدة القاهرة