أخبار عاجلة

رشا حسنى ترصد: من الرواية للقصة والمسرح .. أعوام التأسيس

اتسم عقد العشرينيات من القرن الماضى بازدهار أشكال إبداعية راسخة فى تاريخ الأدب العربى كالشعر والنقد
وميلاد أو نضوج أشكال أخرى مثل القصة القصيرة والرواية لتجد مكانها فى الثقافة العربية بعد أن بدت إرهاصاتها فى فترات سابقة.
الشعر الذى احتفظ لفترة طويلة بكلاسيكيته من حيث البنية والشكل والأفكار صار فى مطلع العشرينيات ساحة للصراع بين المدرسة التقليدية القديمة جزلة الأسلوب وبين اتجاه جديد أعطى الأولوية للتعبير عن الوجدان ومكنونات النفس عقب إصدار محمود عباس العقاد وإبراهيم عبدالقادر المازنى كتاب “الديوان فى الأدب والنقد” عام 1920 فَقدْ رَأى المُؤلِّفانِ أنَّ الشِّعرَ والأَدبَ فِى عصرِهما لا يُمثِّلُهما شعر أحمد شوقي أو أدب المنفلوطي ثَارَا عَلى كُلِّ ما هُو قَديم؛ فَرَفضَا نِظامَ القَافِية، والقَصِيدةَ الطَّوِيلَة، وأَعلنَا تأسيسَ مَدرَسةٍ أَدبِيةٍ جَدِيدةٍ سُمِّيتْ «مدرسة الدِّيوان» كانَ أَهمُّ مَبادِئِها أنَّ مَذهَبَها إِنسانِى، مِصرِى، عَربِى، كما تبنت التَّجدِيدِ فِى شَكلِ الشِّعر، ومَضمُونِه، وبِنائِه، ولُغتِه. ومَثَّلَ الكِتابُ مَرحَلةً أَدبِيةً مُهِمَّةً فِى تَارِيخِ الأَدَب والشِّعرِ العربِى، ومعركةً من المعارك الأدبيةِ التي خاضَها عمالِقةُ الأدبِ والفِكرِ فِى تلك الفترةِ.
فى نفس التوقيت عاد شوقى إلى مصر سنة 1920 بعد أن قضى نحو خمس سنوات فى إسبانيا حيث نفاه الإنجليز.
ولم يمنع الهجوم الشرس الذى شنته مدرسة الديوان وأنصارها الشعراء المناصرين للاتجاه التقليدى من مبايعة شوقى أميرا للشعراء.
وبعد تلك الفترة تفرغ شوقى للمسرح الشعرى وأصبح الرائد الأول فى هذا المجال عربيا؛ ومن أبرز مسرحياته فى تلك الفترة “مصرع كليوباترا” التى صدرت عام 1927.
وفى مجال النقد كان أبرز الكتب التى أثارت وما زالت تثير الجدل كتاب الدكتور طه حسين “فى الشعر الجاهلى”
الذى أصدره عام 1926 ونفى فيه أن يكون معظم الشعر الجاهلى كتب فى عصر ما قبل الإسلام مشددا على أن هذا الشعر لا يمثل الحياة الحضارية والدينية والعقلية واللغوية للعرب. وبسبب هذا الكتاب مثل طه حسين بعد للتحقيق الذى تم حفظه لاحقا وفى العام التالى أعيد نشر الكتاب بعد حذف بعض أجزائه مع تغيير عنوانه الذى أصبح (فى الأدب الجاهلى).
أما فيما يخص الرواية فقد بدأت فى الازدهار فى العشرينيات بعد أن شهدت فى فترة سابقة مرحلة التأسيس التى اختلف حولها ومالت معظم الآراء لاعتبار رواية “زينب” لمحمد حسن هيكل الصادرة عام 1914 أول رواية مصرية.
من أبرز الأقلام التى برزت فى مجال الرواية والمسرح على السواء الكاتب الكبير توفيق الحكيم وكانت روايته “عودة الروح” التى انتهى من كتابتها عام 1927 رغم أنها نشرت فعليا فى 1933.
وفضلا عن الأسلوب الشائق السلس الذى تميز به الحكيم منذ بداياته قدمت الرواية مزجا بديعا بين الجانب السياسى والاجتماعى والوطنى وبدا فيها أثر ثورة 1919 التى شكلت انتصارا للفكرة القومية فى المجال السياسى ورسخت الهوية مفهوم المصرية.
وشهد عقد العشرينيات ميلاد فن القصة القصيرة بمصر على يد الكاتب عيسى عبيد الذى أصدر مجموعتين قصصيتين وهما «إحسان هانم» عام 1921و«ثريا» عام 1921وصدرت المجموعتان مؤخرا ضمن سلسلة «ذاكرة الكتابة» التى تصدرها هيئة قصور الثقافة بمقدمة وافية كتبها الناقد الدكتور صبرى حافظ عن عبيد ومشروعاته القصصية والنقدية التى لم تر النور أبدًا بسبب وفاته المبكرة متأثرًا بمرض التيفود عام 1923،
ضم الكتاب المجموعة القصصية الأولى «إحسان هانم» بمقدمة بعنوان «كلمة عن الفن والأدب الحديث فى مصر» وضعها عيسى فى بداية القصص الخمس، أما المجموعة الثانية «ثريا» فقد تكونت من أربع قصص، إلى جانب دراسة يحيى حقى التى أفردها عن عيسى عبيد، فى كتابه «فجر القصة القصيرة»، فضلاً عن المقدمة التى كتبها الناقد عباس خضر للطبعة الثانية من مجموعة “احسان هانم” التى صدرت فى أوائل الستينات.
الغريب أن الفترة نفسها شهدت بزوغ نجم آخر فى قصة القصيرة هو محمد تيمور، لكنه رحل أيضا فى العشرينيات من عمره بعد أن شارك فى تأسيس فن القصة القصيرة بمصر وأصدر مجموعته القصصية “ما لا تراه العيون” إضافة لمؤلفاته المسرحية ومنها «العصفور فى القفص» و«الهاوية» وأوبريت “العشرة الطيبة”.
وبحسب ما يرى النقاد شكلت كتابات محمد تيمور القصصية والمسرحية والشعرية والفكرية منظومة إبداعية متكاملة فى مجال تحديث الأدب والفكر العربى فكانت كتاباته بداية حقيقية للأدب العصرى الحديث بفضل حسه الفنى وثقافته الواسعة والسنين التى أمضاها فى ربوع أوروبا بالإضافة إلى التحامه مع قضايا مجتمعه المصرى فلم تكن إبداعاته محاكاة شكلية لأنماط الأدب الغربى بل كانت وسيلة لتوظيفها لمعالجة القضايا التى تهم أبناء شعبه.
وبعد الرحيل المفاجئ لمحمد تيمور استكمل مسيرته من بعده أخوه محمود تيمور وسار على الدرب نفسه مخلدا ذكرى أخيه عبر جمع ونشر إبداعاته وبالكتابة من ناحية اخرى فى المجال نفسه فنشر مجموعته القصصية الأولى “الشيخ جمعة” عام 1925م باللهجة العامية، ثم أعاد كتابتها بالفصحى بعد أن قاطع العامية، كما عدل بعض عناوين قصصه فيها مثل قصة “أبو على عامل الأرتيست” إلى “أبو على الفنان”، ثم نشر المجموعة الثانية “عم متولى” 1926، وتوالت المؤلفات حتى بلغت ستين كتابًا متنوعة بين القصة، الرواية، القصص المسرحية، الدراسات اللغوية منها سيد عبيط، حواء الخالدة، أبو الهول يطير، كليوباترا فى خان الخليلى، فن القصص، المسرح الحديث وغيرها.

*منشور بجريدة القاهرة