نُشر في ملف خاص عن الفنان نور الشريف بجريدة القاهرة
قدمت السينما المصرية عبر مسيرتها الطويلة كثيرا من النجوم، امتلك بعضهم موهبة استثنائية فى التمثيل وأمكن لبعضهم أن يحافظوا على مستوى من الرقى فى اختياراتهم لأعمالهم وأدوارهم وتمكنت قلة منهم من أن تعبر فى غالبية أعمالها عن ثقافتها وقناعاتها السياسية والفكرية، لكن نور الشريف وحده هو الذى أمكنه أن يجمع كل هذه الصفات، بل وأن يحافظ على مكانته الجماهيرية بكل هذه الشروط لما يقرب من نصف قرن.
من بين الجماهير الشعبية وبحس استثنائى بهم وبنبضهم جاء نور الشريف واسمه الأصلى محمد جابر، ولد فى حى الخليفة فى 28 إبريل سنة 1946، وانحدر من أسرة بسيطة الحال تعود أصولها إلى إحدى قرى مركز مغاغة بمحافظة المنيا، عاش محنة اليتم قبل أن يتفتح وعيه على الحياة، فقد تيتم فى طفولته المبكرة حيث توفى والده وعمره سنة واحدة.
توفى الأب شابا صغيرا فى سن السادسة والعشرين من عمره، وتزوجت الأم بعد رحيل الوالد، وانتقل نور مع شقيقته عواطف من بيت الأب فى الخليفة إلى بيت أعمامه فى الحى المجاور، السيدة زينب.
كان الطفل الوسيم بوجهه البشوش وابتسامته البريئة المشرقة محل حب وعطف الأسرة وعوضا لها عن فقد أبيه، ربما من فرط إشراقة وجهه أطلق عليه جده لأبيه اسم نور كنوع من التدليل، فى سنواته الأولى لم يشعر مطلقا بفقد الأب وعاش طوال أيام طفولته المبكرة وهو يظن أن عمه إسماعيل هو والده ولم يعرف حقيقة نسبه إلا عندما التحق بالدراسة.
لكن مشاعر اليتم لم تنل من الابتسامة المتألقة فى وجه نور ولم تضعف الروح المرحة المتأصلة فى شخصيته النامية بفضل المحبة التى أحيط بها، على الرغم من اليتم والظروف القاسية عرف نور التفوق والنجاح والشهرة مبكرا جدا، بدأها كلاعب كرة حريف اشتهر بين أبناء حيه ثم انضم إلى أشبال نادى الزمالك، ليتوقع الجميع له مستقبلا عظيما فى هذا المجال.
لكن حبه للفن دفعه للالتحاق بالمعهد العالى للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج الذى تخرج منه أول دفعته وبتقدير إمتياز، وهو التقدير والترتيب الذى حافظ عليه طوال سنوات دراسته بالمعهد، لكنه من قبل تاريخ تخرجه تمكن من أن يصبح ممثلا مشهورا بعد ظهوره فى عدد من المسرحيات والتمثيليات التليفزيونية منذ بداية التحاقه بالمعهد.
عاش نور طفولته وصباه وشبابه الأول فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى بمنطقة السيدة زينب بشعبيتها وعراقتها، بقربها الشديد من وسط المدينة وإحاطتها من عدة جهات، شعور بالقوة والفخر بالمكان الذى ينتمى إليه يسيطر عليه، لكن الغرور لم يتملكه أبدا فالمساجد تحيطه من كل مكان فى منطقة هى من أكثر الأماكن كثافة بالمآذن على مستوى العالم كله، وبين الإرتفاع الشاهق لمئذنتى السلطان حسن والرفاعى على بعد أمتار وبين الشهرة الفائقة لمسجد السيدة زينب على بعد خطوات يتذكر كم هو صغير بين يدى المولى عز وجل مهما كبر.
لم يرتد به هذا الجو الدينى المحيط إلى فكر رجعى متزمت، فالخطاب الدينى كان ما زال سمحا وحضاريا، ولم تكن الدعوة للخلط بين العلم والإيمان أو الدين والسياسة قد استشرت بعد، وكانت القيم الحضارية تتنامى والمناخ الثقافى فى أوج مجده، وكانت دور العرض تنتشر فى الشوارع المحيطة، وقد وضعت على واجهاتها أفيشات العروض ووضعت على أبوابها بروشورات الأفلام.
يقول مدير التصوير محسن أحمد: «فى حى السيدة زينب شارع اسمه محمد عنايت هناك منزل رقم 20 الذى كان يسكنه شاب اسمه محمد جابر.. وعلى بعد أمتار يقع المنزل رقم 16 الذى كنت وما زلت أسكن فيه.. فى شارعنا تقع سينما الهلال وعلى بعد أمتار دور عرض إيزيس والأهلى والشرق، لذلك ستجد شباب الحى ومنهم نور وأنا وغيرنا تربينا على حب السينما فإذا تنبهنا إلى أننا تربينا فى الحى الشعبى المحاط بالآثار ستعرف كيف تشكل وجدان هذا الفنان.. وعندما التحق نور بمعهد الفنون المسرحية عرفت أنا وغيرى من شباب الحى أن هناك أكاديمية لدراسة الفنون ومعاهد للمسرح والسينما والباليه والموسيقى».
كانت السينما متنفسا ترفيهيا ومصدرا أساسيا للثقافة للشباب والأسر قبل بدء الإرسال التليفزيونى، لكنها بالنسبة لصبى موهوب عاشق لفن التمثيل ومسحور بخيال السينما بمثابة أكاديمية، يتعلم منها ويدرس من خلالها ويحفظ الأدوار مع تكرار المشاهدة، ليعود إلى بيته متقمصا شخصية البطل ساعيا لأدائه بتفوق عن نجمه المحبوب الذى أدى الشخصية بإبداع أثار إعجابه.
نشأ نور الشريف فى تلك الأجواء فى ذلك الزمن الجميل وهذا الموقع العبقرى المرتفع فى شموخ يطل على القاهرة ويحتضنها بينما تحتضنه هو المآذن وتحيطه أجواء من الروحانية والصوفية وعالم من العراقة والحكايات والأساطير والصور السينمائية، تتوالى أمام البصر وأصوات الأفلام تنبعث هادئة مع ساعات الغروب فى الأجواء، منطلقة من دار سينما الهلال الصيفى المجاورة لبيته فى ظل أجواء شعبية جميلة.
كان نطاق حركته يمتد ويتسع فى صباه عبر حدود هذا المربع الرائع المكون من القلعة والحلمية الجديدة والخليفة والسيدة زينب حيث بيته ومدارسه وحيث تكمن الواقعية السحرية الحقيقية، كما تتشكل فى النفس على الرغم من الواقع الشعبى البسيط المحيط حالة من الفخر والاعتزاز والشعور بالانتماء لحضارة عريقة وتاريخ مجيد يتسرب إلى النفس بلا تلقين ويسرى فى الروح بشكل تلقائى ويعبر عنه السلوك لا الكلمات.
فى وسط هذه الأجواء الشعبية نمت أيضا الروح الفكهة وحب النكتة والحس الكوميدى كما نمت القدرة على مواجهة الشدائد فى بيئة تحفل بالقوة والشجاعة وتزخر بالفتوات والأشقياء وتنتشر الحواديت المفعمة بالسحر والخيال، يتدخل الذكاء واليقظة والخبرة فى التقاط التفاصيل ورسم الملامح، فتتشكل المادة الأولية الجوهرية فى داخل الممثل عبر الصور المضحكة والهازئة والوقحة والحادة والعنيفة والسوقية والطيبة والشريرة والمتلونة والمخيفة والمبهجة التى سوف تكون معينه الذى لا ينضب فى صناعة العديد من شخصياته وتشكيلها.
بين حى القلعة والسيدة زينب نشأ وتشكل وعى نور الشريف مثل العديد من الفنانين الكبار من نفس الحى من أجيال سبقته قبل منتصف القرن الماضى منهم فريد شوقى وشكرى سرحان وحسن يوسف ومن نفس جيله ظهر عادل إمام وحسن حسنى وغيرهم، وكان يسكن بالقرب من بيته ممثل اسمه حافظ أمين كان يلعب أدوارا صغيرة فى الأفلام والمسلسلات لكنه كان وجها مألوفا خاصة بين أهالى الحى، كان نور يتودد إليه ويسمع منه حكايات عن الفن وعالمه، ولاحظ الرجل اهتمام نور بالتمثيل الذى بدأ يمارسه على مسرح مدرسته الإعدادية بنبا قادن، التى كانت تضم مدرجا كبيرا تقام عليه العروض المسرحية، فوالاه الرجل اهتمامه ونصحه وساعد على توجيهه قبل أن يلتحق بمعهد الفنون المسرحية.
كان ظهور نور الأول على شاشة التليفزيون خاطفا فى عدة أعمال منها تمثيلية سهرة من إخراج إنعام محمد على بعنوان «الامتحان» عمل فى هذه التمثيلية دورا صغيرا مع القديرين توفيق الدقن وعبد الله غيث ومع ابن جيله الشاب صلاح السعدنى، لكن حضوره اللافت جاء بعدها مباشرة فى مسلسل «القاهرة والناس» لمحمد فاضل فى نهاية الستينات، كان النظام يسعى بعد هزيمة 1967 من خلال هذا العمل إلى الارتفاع بسقف الحرية ومنح الفنان الفرصة للتعبيرعن أزمات المواطن وهمومه بعد سنوات طويلة من التشدد الرقابى وكبت الحريات.
فى حلقات القاهرة والناس المنفصلة المتصلة كنا نلتقى كل يوم مع أزمة جديدة تواجهها نفس الأسرة: الأب الموظف البسيط محمد توفيق والأم الحنون عزيزة حلمى، والأشقاء الأربعة أشرف عبد الغفور العاقل الرزين والطائش الشقى المتمرد نور الشريف والأخت الرومانسية نادية رشاد والشقيقة الصغرى المكبوتة فاطمة مظهر.
كانت أسرة المسلسل شبيهة جدا بأسرنا البسيطة من الطبقة المتوسطة الأدنى، وفى القلب كان نور الشريف الذى خطف القلوب بابتسامته الجميلة وإحساسه الحار، كما أثار التعاطف الشديد مع أزمته كتلميذ فاشل فى الثانوية العامة لا يعرف ما هى مشكلته، ويبحث عن طريق بديل ككل شباب جيله الحائر، وهو معارض دائم لتقاليد الأسرة البالية وناقد لكل الأوضاع الغريبة وناقم على الظروف الاقتصادية.
كانت شخصية عادل عوض التى لعبها نور هى المعبر الأساسى عن صوت الشباب الحر، ذلك الصوت الذى لم تكن حدوده تتجاوز المقاهى أو المنشورات السرية، فأصبح ينطلق من شاشة التليفزيون ليسمعه ويراه الملايين فى زمن القنوات المحدودة قبل عصر الدش بزمان، كنا فى حالة من الانبهار، وكان نور بأدائه الحماسى وأسلوبه المعبر فى التمثيل وشخصية عادل مكتملة الأبعاد بناءا وأداء تزيدنا إعجابا وانبهارا، وسرعان ما أصبح نور ابن حتة كل أهالى مصر، معبرا عنهم ومنتصرا لهم وممثلا لهم عهلى شاشة السينما.
*منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع