يشي عنوان الديوان الصادر مؤخرا للشاعر محمد الشحات عن الهيئة العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي؛ «ملامح ظلى» بضرورة وجود الضوء أيا كان مصدره فهو الشرط الأساسي لوجود الظل على المستوى المادي.
وعليه فيمكننا القول بأن ملامح الذات لا تتشكل إلا فى وجود الآخر الذى يعطى الذات بنيانها الداخلي وملامحها الخارجية أيضا، وهنا سيتضح الرمز الذي عمد إليه الشاعر وهو ما يشيع فى الديوان بل وفى كل الدواوين الأخيرة تقريبا حيث الآخر المجتمعى بكل ما فيه من مآسٍ وأفراح، وها هي ثيمة الحزن والأم والجرح تسيطر على أغلب ملامح التجربة الشعرية للشاعر محمد الشحات.
فهناك ديوانه السادس الذى حمل عنوان «كثيرة هزائمى». وديوان «البكاء بين يدى الحفيدة». وهو القائل فى ديوان «مكاشفة»: كلَّمَا حاولتُ أنْ أنزعَ خوفِي/ آهِ ياكفِّى الذِى يسْكُنُنِي/ كيفَ لا تنزعُ مِنِّي/ خوفَ أطفالٍ/ وخوفِي.
وفى ديوانه «رجفة المقامات» سوف نجد مشاعر الكشف عن الهم الشخصى كما فى قصيدة «البحث عن ملامحى» والآخر المجتمعى فى قصيدة «الرحيل عن وطن يأكلنا «وسرقة حلمي»، و«الحياة فى زمن الزيف» و«مساومة الظل».
وكأننا أمام ما اصطلح على تسميته آلية إجبار التكرار فى التحليل النفسى وكأن الشاعر كان مسكونا بالقضايا التى تناولها فى ديوانه الحالى «ملامح ظلى» من قبل فى ديوانه رجفة المقامات 2020، أو كأن الديوانين – كتبا فى زمن نفسى واحد عاشه الشاعر ولكنهما نشرا متفرقين.
والظل مصطلح صكه كارل يونج يشير من خلاله لهوية شخصية، والجانب اللاشعورى منها وباختصار، الظل هو الجانب المجهول.،
فالظل «يكافئ تقريبًا كل اللاوعى عند فرويد: «ويمكن أن يشمل الظل كل شيء خارج ضوء الوعى وقد يكون إيجابيًا أو سلبيًا. لأن المرء يميل إلى الرفض أو البقاء جاهلًا بالجوانب الأقل استحسانًا لشخصيته، فإن الظل سلبى إلى حد كبير».
وقد يظهر الظل فى أحلام و رؤى بأشكال مختلفة وعادة «يظهر كشخص من نفس جنس الشخص الحالم». يعتمد مظهر الظل ودوره بشكل كبير على التجربة المعيشية للفرد لأن الكثير من الظل يتطور فى عقل الفرد بدلا من مجرد توريثه فى اللاوعى الجماعي. ومع ذلك، فإن «الظل يحتوى إلى جانب الظل الشخصى، على ظل المجتمع تغذيه القيم الجماعية المهملة والمقموعة».
ولكننا هنا لا نرى الظل فى هذا الديوان هو الجانب المخفى المظلم من الشخصية كما يراه يونج، ولا نراه أيضا اللاشعور كما رأى فرويد من قبل، وإنما نراه الصديق الوفى أو بالمعنى الفلسفى هو الآخر الذى يمنح الأنا وجوده لمواجهة حالة الاغتراب عن المجتمع التى يعيشها شاعر يمتلك قدرا كبيرا من الشعور بتجاهل المجتمع لتجربته الشعرية ومن ثم فإن الظل هو الآخر أو الصديق أو القرين الذى سوف يتحاور معه الشاعر فيما يعانيه وفيما يحلم به وفيما يتمنى حدوثه.
فنجده يقول فى قصيدة بعنوان «محاوراتى مع ظلى»:
كنت أحاول أن أترك ظلى
يجلس خلفى
كيما يرقب ما يجرى
حتى حين أعود إليهِ
فيخبرنى
طبطبتُ على كتفيهِ
وأسرعتُ
لعلِّى ألحق بقطار الرغبةِ
منكسرا عدتُ
وما إن نظر إليَّ
حتى انسحب
يجرِّر خيبته.
هنا يبدو لنا أن الصديق أو الآخر فى هذا المقطع الشعرى يجر الخيبة والحسرة والأسى والسؤال ما الذى يدفع شاعر للتحاور مع ظله؟ والإجابة فى ظنى إنها بالطبع ليست حالة مرضية ذهانية – عقلية – ولا حالة فقدان الذات وعدم إدراك الواقع ولكنها حالة من شعور بالاغتراب الروحى والفكرى والوجدانى بعد خبرة طويلة من التجاهل فالشاعر هنا وقد تجاوز السابعة والستين من عمره وها هو منجزه الشعرى البالغ اثنين وعشرين ديوانا منشورة منفردة وفى سلسلة الأعمال الكاملة ليقول لنا «هاؤم اقرؤوا كتابى» إذ بدأت تلك التجربة من عام 1974– حتى الآن. فيقيم علينا الحجة بعدم المعرفة أو نقص الانتشار أو صعوبة التجميع لكل ما هو مكتوب.
وفى المقطع الثانى من القصيدة يكشف لنا الشاعر عن حالة من الضياع أصابت الظل ومن المسلم به أنه حين يضيع الظل فلا بد أن يكون ذلك انعكاس لضياع الأنا على اعتبار أن الظل أو الآخر هو مانح الوجود للأنا فلا أنا بغير ظل والعكس صحيح لا ظل فى غياب الأنا فيقول:
حين جلست على شاطئ نهرى
لمح الظلُّ ملامحَه فوق الماءِ
فقاومنى كيما يهبطُ
وارتسمتْ فى عينيهِ
طيورُ الفرحِ
فغافلنى
كيما يسبحُ فوقَ الماءِ
فأشفقتُ عليهِ
وحين اهتز الموجُ
وضاعَ الظلُّ
فعدْتُ
ثم تستمر حالة الضياع والفقد بل وحالة الاغتراب حين يضيع الظل أيضا حتى فى وجود الحبيب ولكن الضياع هنا لأسباب خارجية هى غياب الضوء الطبيعى فى إشارة خفية مستترة لدور الخارج – المجتمع – فى تغييب الظل المانح الوجود للأنا. فيقول فى المقطع التالي:
أجلسُ قربَ النافذةِ
أرقبُ وقعَ خُطاها
ما إن شعرَ الظلُّ بطيفٍ يعرفهُ
حتى أسرعَ كى يسبقنى
حاول أن يتزينَ
ليرافقَ ظلَّ حبيبٍ أعشقهُ
ما إن صادفَه
حتى امتزجا
بدأ يناوشُهُ
ويُشاكسهُ
ويُسَارِع فى مِشيتهِ
فما إنْ غابَ شعاعُ الشمسِ
حتى ضاعت كلُّ ملامِحهِ
وفى هذا المقطع يتأكد الخوف والاغتراب وضياع الظل فى النهاية فيقول:
أوقفنى ظلى
كى يتحسسَ ضوءَ الشمسِ
وحجمَ السُّحُبِ
ووقتَ السَّيرِ
وهل سيكون أمامى أم خلفى
امتثلَ الظلُّ لوقعِ خُطاىْ
وتماسكَ
حاولَ أنْ يسَبقني
حتى خِفْتُ
وحين رأيتُ جيوشَ السُّحِبِ
وكنت أحاولُ أنْ أسْبِقَه
فلم يلحقني
و تعثر حين وقفتُ
فلم ألمحْهُ
حين اختفتِ الشمسُ
هذه الأمثلة وغيرها تؤكد ملامح الاغتراب الذاتيّ التى تفيض بها قصائد هذا الديوان.
*منشور بجريدة القاهرة

شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











