أخبار عاجلة

علا الشافعي تكتب: هشام نزيه.. عندما تُكسب الموسيقى طعمًا للسينما  

لم أنس يومًا تلك الأيام التى كانت تعبق برائحة البدايات، وكل ما تحمله من أحلام وتساؤلات ومخاوف من عدم تحقق ما نصبو إليه… وقتها كان كل شىء له بريق خاص وسحر لا تخطئه عين.. كانت دار الأوبرا المصرية ملتقى المبدعين، ومركز انطلاق للكثير من المواهب، حركة لا تتوقف أنشطة مختلفة ومتنوعة، نجرى ما بين صندوق التنمية الثقافية، ومركز الهناجر، نجلس على الأرصفة لعدم وجود أماكن شاغرة، نتحدث ونتبادل الرؤى، ونصمت فى لحظات أخرى لنتأمل من يعزف أو من يلقى شعرًا، أو من يتكلم عن مشروع مسرحى جديد يعمل على إنجازه.
هناك فى منتصف التسعينيات، وتحديدًا فى صندوق التنمية الثقافية الذى كان يشرف عليه حينها المبدع سمير غريب، التقيت للمرة الأولى هشام نزيه ومعه المخرج عادل أديب والشاعر محمد ناصر، كانوا يحلمون بإنجاز مشروع غنائى مختلف، ويعملون أيضًا على فيلم «هيستريا»، ويبحثون عن منفذ لتحقيق الحلم، وكنت أمارس عملى الصحفى.. التقيتهم مرات كثيرة.. ثلاث تركيبات مختلفة جمعهم الحلم، وفرقتهم بعد ذلك الاختيارات والسبل.
لفت نظرى يومها هدوء هشام (مواليد 23 أكتوبر 1972) وكلامه القليل المحسوب، مهما كان النقاش، ومحاولاته الدائمة أن يقنعك أنه يتابع كل ما تقول، ولكن بنظرة متعمقة ستعرف فورًا أنه محلق فى منطقة أخرى تخصه، كأن هناك شيئًا يدور فى رأسه وداخل روحه.. ثيمة معينة تلح عليه.. فكرة لجملة موسيقية. لا أستطيع أن أقول: إنه شخص حالم يعيش فى عالمه الخاص، لأنه بنفس القدر يكون واعيًا لما يدور حوله.. خطوة أقدام مميزة يحولها لجملة موسيقية.. مشهد زحام أو مشهد عاطفي.
كان هشام يترجم كل شيء إلى موسيقى تعبر عما يراه أو يدور داخله، أو تزيد الإحساس بما يدور حولنا.. فى تلك اللحظة فقط كان هشام يبتسم ابتسامته الهادئة وتلمع عيناه وينطلق فى الحديث.. قد لا يتذكر هشام الكثير من تفاصيل تلك الأيام، والمقابلات والجلسات الطويلة، وكيف كان كل شىء حولنا يحوله إلى موسيقى.. الأفلام التى يشاهدها لا يتحدث بشغف سوى عن موسيقاها التى أثرت فيه.. انفتح هشام على كل ألوان الموسيقى بشغف يصعب أن تجد له مثيلًا، ليس ذلك فقط بل إنه لم يتوقف يوماً عند نجاح حققه منذ انطلاقاته الأولى فى فيلم «هسيتريا» ليحتفى بنجاحه أو يرتكن إليه لفترة، كان كل شيء بالنسبة له خطوة محسوبة بدقة.. خطوة من الضرورى أن تعقبها خطوة أوسع تحقق نقلة أكبر، وفى ظنى أن تلك الحالة من الاستمرارية وعدم التوقف عن الحلم والطموح، له علاقة كبيرة بثلاثة عوامل رئيسية شكلت الشخصية الموسيقية الملهمة فى مشوار هشام نزيه.
العامل الأول هو طريقة التربية منذ أن أخذه والده لعالم الموسيقى وهو فى الخامسة من عمره عندما قرر والده ضابط الجيش أن يعلمه العزف، خصوصاً وأنه كان عاشقًا للموسيقى، لا يكف عن الاستماع لدرجة أنه حولها إلى أسلوب حياة داخل المنزل، أو فى السيارة، لدرجة أنه بعد المذاكرة كانت الجملة الثابتة التى يرددها والده «مش خلصتوا ما تسمعونا حاجة». والثانى هو دراسته للهندسة التى انعكست على تفكيره المنظم ورؤيته لمستقبله، والمراحل التى أنجزها..
كل هذا الانضباط والتفكير المنظم فى مقابل عامل ثالث هو قرابته لحسين ومودى الإمام من ناحية والدته. الاثنان خلقا له عالماً مختلفا من حرية التفكير ورحابة الإبداع، وفى إحدى لقاءاته يقول هشام عن مودى الإمام (كان له فضل فى التأثير علي، علمنى كتير ومن غير ما يقصد، لأنه كان جريء فى شغله وتفكيره وحياته، وعلمنى ده.. احنا بنعيش مرة واحدة لو مافيش جرأة فى خيالنا على الأقل.. طيب إمتى؟).
تلك العوامل هى التى شكلت شخصية المؤلف الموسيقى هشام نزيه، الذى لا نستطيع أن نقول: إن لديه أسلوباً موسيقياً ثابتاً، بل هو طوال الوقت يجرب ويبحث يوظف آلات بطريقة معينة، وكيف تخدم الآلات المعنى المراد توصيله.. يستدعى جملاً من تراثنا الصوفى أو الفرعوني… يذهب للموسيقى الفارسية والإفريقية.. فاهم لموسيقى البيتلز، يسمع وينهل من التراث الإنسانى.. يدرك جيداً أهمية صناعة التأثير وكيف يعبر بالموسيقى يجعلها تصرخ أو تصدح، ويدرك قيمة الصمت والانفعالات وخدمة السيناريو والحوار وكيف يكون عيناً إضافية للمخرج تكسب العمل طعماً مميزاً..
ببساطة هو واحد من المميزين والقلائل الذين يدركون ويفهمون جيداً معنى الموسيقى التصويرية، لذلك فى كل لحن يقدمه أو موسيقى تصويرية يؤلفها هو صاحب بصمة وروح خاصة جداً.
بالتأكيد هشام نزيه الذى بدأ مشواره مع فيلم «هسيتريا» عام 1998، يختلف عن هشام صاحب موسيقى «سهر الليالى»، و«الفيل الأزرق»، و«إبراهيم الأبيض»، و«الأصليين»، و«الكنز»، ومسلسلات مثل: «شربات لوز»، و«نيران صديقة» عام 2013، ومسلسل «السبع وصايا» عام 2014، ومسلسل «أفراح القبة» عام 2016.

كل تلك الأعمال وغيرها تشكل مراحل مهمة ومتنوعة فى مشوار هشام، وتختلف كلية عن موسيقى موكب الموامياوت وترنيمة إيزيس، وعن موسيقى «Moon Knight» أحدث إنتاجات استوديوهات «مارفل» الهوليوودية، والمؤلف من ست حلقات، حول شخصية بطل خارق مُنح القوة من أحد الآلهة المصرية القديمة والمرشح لجائزة «إيمى».
أعرف أن هذا ليس آخر المشوار بل لا يزال هشام الساحر يمتلك الكثير فى جراب موسيقاه، وسيظل يفاجئنا.

*منشور بجريدة القاهرة