كتبت نادية البنا:
في قلب مغاغة وبالتحديد قرية عزبة الكيلو كانت ولادته ومراحل نقش شخصيته ووجدانه الأولى، فلم تكن طفولته سعيدة كالمعتاد لمن هم في سنه، فقد قُتلت طفولته عندما فقد بصره وتذوق مرارة الحسرة وعرف معنى المصطلح الذي ظهر حديثًا في عصرنا الحاضر وهو “التنمُّر”، الذي شارك الجهل في تشكيل ظلام عيني وطفولة عميد الأدب العربي طه حسين.
انطفاء نور عينيه
بعدما أتمَّ “طه حسين” الرابعة من عمره أصيب بالرمد، وبسبب الجهل المنتشر لم يلجأ أهله لطبيب يعالج ابنهم ولكنهم استدعوا “الحلاق”، الذي وصف له علاجًا أطفأ نور عينيه تدريجيًّا، وظل يعاني سنوات لم ينسها، رغم صغر سنه، حتى كف بصره تمامًا قبل بلوغه السادسة عشرة من عمره، وبدأ مشوارًا لم يكن في الحسبان من التنمُّر وسط إخوته وأصدقائه، ليؤثر ذلك على شخصيته فيصبح منطويًا، كثير التفكير، بعدما أصبح هدفًا للدعابة التي تؤذي مشاعره، إلى أن قرر ذات يوم الانتقام، وفق رواية أحد أقاربه في لقاء عام 1951.
حكاية الانتقام
ذات يوم ذهب الصبي طه حسين ليلعب مع إخوته عند الترعة، فكانوا يلقون بأنفسهم في الماء، في حين يعجز هو عن الحركة مثلهم، ويجلس صامتًا وكانوا يتصايحون بمزاح يعايرونه بالعمى، فكتم ألمه وقرر الانتقام، فحمل ملابسهم وعاد بها إلى والده الذي كان يحرِّم عليهم نزول الترعة، ووعدهم بأشد العقاب إذا فعلوا، ولما رأى ملابسهم، غضب وكان نصيبهم من العقاب والضرب شديدًا، وانتقم “طه” وضحك أيضًا مع الجيران وهم يرونهم عائدين شبه عراة إلى المنزل تنتظرهم “العلقة السخنة”.
بكاء والدته علَّمه الرزانة والحياء
كل ما تعرض له طه حسين في طفولته من إخوته وأصدقائه أثّر عليه بشكل سلبي وجعله يتمرد، وسيطر عليه العناد في كل شيء، وقرر أن يجرب كل ما لا يمكنه فعله بسبب عماه، وكانت التجربة الأولى هي نقطة النهاية لعناده، كان جالسًا على العشاء بين إخوته ووالدته وكانت والدته كعادتها تشرف على المائدة، وقد اعتاد أن يأكل كما يأكل الناس، ولكن لأمرٍ ما خطر في باله، قرر أن يأخذ لقمة عيش بكلتا يديه وغمسها بيديه الاثنتين من الطبق المشترك ثم رفعها على فمه، فغرق إخوته في الضحك، وأجهشت والدته بالبكاء، أما والده فقال بصوت حزين: ما هكذا تُؤكل اللقمة يا بني، وهو لم يبدِ أي رد إلا الندم والحزن ومنذ ذلك الوقت تغلفت حركاته بشيء من الرزانة والحياء لا حد لهما، وحرَّم على نفسه ألوانها من الطعام لم تُبَح له إلا بعد أن جاوز الخامسة والعشرين، فكل ما يؤكل بملعقة لم يأكله حتى هذا العمر لكيلا يسمع ضحكات إخوته عليه أو بكاء أمه وحزن أبيه.
عميد الأدب العربي طه حسين، ولد الجمعة 15 نوفمبر 1889، في قرية الكيلو القريبة من مغاغة، إحدى مدن محافظة المنيا، وأصيب بوعكة صحية في منزله يوم السبت الموافق 27 أكتوبر 1973، وبعد أن جاء الطبيب لفحصه، زالت عنه النوبة، وعاد إلى حالته الطبيعية، وفي صباح اليوم التالي، شرب بصعوبة كبيرة كميةً صغيرةً من الحليب، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة، ليضع نهاية لحياة أدبية مثمرة، استمرت لعقود كبيرة من العطاء عن عمر يناهز 84 عامًا.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع