أخبار عاجلة

واسينى الأعرج: الكتابة مغامرة.. وأحتاج ثلاثة أعمار فوق عمرى لأكتب ما يشغلنى

حوار: أميرة دكرورى

الكاتب يجب أن يكون لديه انشغال مركزى
أتواجد فى جميع رواياتى ولكل رواية خصوصية لدى
أردت إعادة تقديم أعمال ألبير كامو.. وأرفق ترجماته بكتيب يمهد أعماله للقارئ
يجب أن يتعايش الأديب داخل السياق المجتمعى وليس خارجه
الأدب عالم سحرى ومتعته فيما يظهره من أشياء غير منتبهين لها

من بين العديد من كُتّاب الوطن العربى، يحتفظ الكاتب الجزائرى الكبير واسينى الأعرج، بقلم ذى حساسية خاصة تكون قاسية فى عدالتها، وفى الوصول إلى أعماق النفس الإنسانية. فدائمًا ما نجد قلمه منشغلا بإنصاف المظلوم وبتسليط الضوء على البقع المنسية. ومن خلال رواياته يصحب القارئ فى رحلة إلى الأفكار والمعانى الكبيرة وإلى أعمق المشاعر الإنسانية المعقدة. ومن خلال طبعات جديدة لثلاثة من أهم رواياته؛ «ضمير الغائب» و«نوار اللوز» و«أحلام مريم الوديعة»، صدرت عن دار دوّن.
وعلى هامش معرض القاهرة الدولى للكتاب التقت «القاهرة» الكاتب الكبير عبر حوار نرصد من خلاله اهم ملامح عالمه الابداعى
>لماذا يكتب واسينى الأعرج؟
-الكتابة مغامرة، ويجد الإنسان نفسه فيها فجأة فتصبح مثل الحاجة الحيوية، يشعر أنه يجب أن يكتب، ومن هنا تخرج من الحالة العادية البسيطة إلى الحالة شبه الاحترافية، فأنت لا تكتب فقط وإنما لديك شىء تقوله. وليس معنى أنك تريد أن تقول شيئًا أنك مالك للمعرفة، وإنما تريد أن تتقاسم مع القارئ انشغالك. فالكاتب الذى ليس لديه انشغال مركزى لا أعتقد أنه يستمر طويلا، قد ينتهى بعد كتابة عمل أو عملين. أما إذا كان لديه هذا الانشغال فهو يتطور; مثلا أنا أريد أن أكتب لأنى متعاطف ومؤمن بقضية المرأة، فقضية المرأة هنا ليست فقط قضية مجتمعية وإنما قضية تخصنى أنا كفرد فما هى رؤيتى وحلولى التى يمكن أن أتقاسمها وأقترحها على القراء؟، أيضًا العلاقة مع الدين مثلا علاقة إشكالية، وكذلك سائر العلاقات بين الكاتب والمؤسسات سواء ثقافية أو سياسية أو دينية فكلها علاقات إشكالية لأنه إذا دخلت علاقة تجانسية مع الأوضاع تصير جزءا منها، فماذا تكتب أو تقول؟ أما إذا كان لديك هذا الانشغال العميق من داخلك، فسوف تصل فى لحظة من اللحظات لأن تقول شيئًا ولذلك فالكتابة تنتقل من مجرد الهواية إلى الاحترافية فى وقت لاحق.
>كتبت عن الجزائر فى مختلف أعمالك، لكنك أيضًا عشت فى بلدان أخرى، فكيف عبرت عنها؟
-انت تكتب عن انشغال ما، هذا الانشغال يكون أولا وطنيًا، فأنت مرتبط ببلدك ومشكلة بلدك، خصوصًا بعد الحرب الأهلية فى الجزائر، ومع الوقت يكون هذا التعبير عن مجتمعى وعن إنسانيتى وعن ما يشغلنى كفرد وكإنسان غير كاف لكنى أعبر أيضًا عن شىء ما يشغلنى داخل منظومة أكبر من بلدى، قد تكون هذه المنظومة قومية، ويمكن أن تكون أكبر، حيث المنظومة الإنسانية الأشمل; فمثلا عند الحديث عن مرض ما داخل الرواية، فأنت تتحدث عن حالة إنسانية، فأنا أدخل فى عمق هذا البطل وأرى كيف يقاوم هذا المرض، هنا أنا خرجت من الدائرة الذاتية التى حثتنى على الكتابة، فأنتقل من هذه الحالة الفردية الذاتية إلى الحالة الاجتماعية الأوسع والأشمل، لذلك فكل هذه الأمور مرتبطة بالرحلة وبالتجربة وبالخبرة، وكيف تجعل من حالة ضيقة ومحدودة حالة أشمل وأكثر إنسانية، واعتقد أن هذا جهد الكاتب حتى لا يضيق المساحة على نفسه، لأن مساحة الكتابة هى مساحة واسعة ويفترض لهذا الاتساع أن يظل قويًا.
>من يبحث عن واسينى الأعرج بين كتاباته، يجده فى أيها ؟
-أتواجد فيها جميعا فالروايات متلونة، ولكل رواية خصوصية عندى، مثلا: رواية «نساء كازانوفا» هى عن وضعية المرأة فى المجتمع العربى الإسلامى، هذه قناعتى، لكن قناعتى هذه لا أسقطها على شخصياتى، لأنها فى هذه الحالة تصير الكتابة أيديولوجية وتصبح مجرد ترديد، وهذا ما يجب تفاديه كما أن الشخصيات ليست متشابهة، نعم هناك شخصيات تتقاطع مع أيديولوجيتك الفردية لكن هناك أيديولوجية الرواية أيضًا، فهذا العالم الذى تنسجه، يجب أن تنسجه بشكل عميق وداخلى من داخل الابطال أنفسهم.
وجودى فى الرواية ليس لأنها قناعاتى ولكن لأنها إشكال إنسانى يهمنى أن يتم تأمله وحله. مثال آخر رواية: «ليليات رمادة»، هذه الرواية لا تتحدث عن الوباء فقط، وإنما تجعل من الوباء مادة إبداعية وأدبية، وهذه كيف تكتبها؟ اذا لم تكتبها بمستوى إنسانى أشمل فأنت خاسر فى المشروع، لأن هذا الوباء مس البشرية بكاملها، فتأملت فيها كيف غير الوباء فى التقاليد والعادات بين الناس، وكيف رسخ مفهوم الأنانية عند البشر، كيف أظهر أن الإنسان فى نهاية المطاف جبان ليس لديه هذه القوة التى يدعيها. إذا أنا ككاتب أكتب عن هذا الجوهر ليس عن المرض فى حد ذاته. أّيضًا روايتى الأحدث «عازفة ميكاديللي»: تتناول مكان جميل فى بيروت عاش فى فترة الحرب الأهلية، حالة من الزهوة والانتشار، وكان وقتها المثقفون العرب يلجأون إلى بيروت فأصبحت جامعة للناس وللمواهب الموسيقية والفكرية، فمثلا نزار قبانى وأدونيس وغادة السمان يعطونا الإحساس بأنهم لبنانيون ولكنهم سوريون، كلهم ذهبوا فى أوضاع معينة وحاولوا أن يكونوا فاعلين. وبيكاديللى كانت ملتقى كل هؤلاء واستطاعت أن تجمع بين كل المتناقضات، وقد كان المكان الوحيد الذى لم يدمر أو يوضع فيه قنبلة. وفجأة فى عام 2000 احترق المكان، وكان هذا سؤالى الكبير وصرت أبحث فيه. وهو الآن مغلق تمامًا لكنى بذلت جهدًا كبيرا كى أراه واقترب منه، ثم خطرت لى فكرة أن أوقع رواياتى فيه وأدب فيه الحياة ولو لساعة وقد كان. رغم أن رائحة الحريق والرماد لا تزال فيه ولا يوجد فيه كهرباء، لكن على ضوء كشافات الهواتف امتلأ المسرح بالشباب، وكانت لحظات ساحرة غير مسبوقة، وأسعدتنى هذه الحالة أكثر من التوقيع الرسمى فى معرض الكتاب. وهذه متعة الأدب؛ فى لحظة من اللحظات هذا العالم السحرى والصامت يظهر لنا أشياء لم نكن منتبهين لها.
>رغم خبرتك الكبيرة فى الرواية وتاريخك مع الإبداع ما زلت تهتم بزيارة الأماكن التى تكتب عنها، سواء مسرح بيكاديللى أو الأماكن التى عاشت فيها مى زيادة وهى عدة بلدان وليست مكانا محددًا؟
-نعم، هذا يأخذ جهدا كبيرا أو حالة إرهاق وحركة شاقة، لكن المقصود منه أن تسيطر على مساحات الكتابة فتصير أنت العارف الأوحد بهذا العالم الذى تكتب عنه، فالمؤرخ يعرف شىء والمشتغل بالأدب يعرف شىء، لكن أنت ستتعرف على كل المساحات المختلفة، ووقتها تصير الكتابة أسهل لأنك تكتب عن عالم أنت الوحيد الذى يعرفه جيدًا.
>هل يمكن للحظة الـ «أنا» أو لحظة المعرفة الكلية تلك أن تؤثر سلبًا على الكاتب؟
-عندما يشعر الكاتب أنه قال كل ما يمكن يموت نهائيًا، على عكس إذا كان الكاتب يعمل ويفكر بهدوء وقتها يستطيع رؤية ما غفل عنه وما لم يقله، فيتهيأ لرواية جديدة وتستمر عملية الكتابة، ذلك لأن كل العالم الذى يكتب عنه هو عالم نسبى، ليس محسوما وليس نهائيًا. هو عالم يتحرك، فيجب أن تتحرك أنت أيضًا وإلا ستدخل فى حالة جمود، ومقتل الكاتب هو حالة الجمود تلك. وهناك الكثيرون دخلوا فى هذه الحالة بالشعور بأنهم مهمين ولم يستطيعوا أن يخرجوا منها! الكاتب لا شىء يميزه عن الآخر سوى أنه يملك لغة واحساسا داخليا عميقا تجاه قضية معينة، وهذه الرغبة فى أنك تريد أن تترك كل شىء وتكتب. ففى النهاية أنت تكتب لأن لديك موضوعا تريد أن تشاركه مع القارئ، وإذا كنت منشغلا وفى صراع دائم مع الذات ومع العالم الذى يتحرك أمامك، لا يمكن أن تقول إنك وصلت، بالعكس أنا أقول أحيانًا أنى أحتاج إلى عمرين أو 3 أعمار فوق عمرى كى أكتب المشاريع التى فى رأسى، لأن العالم يدور والموضوعات لا تنتهى، فحين أسمع أن شخصًا ما حقق ما يرغب من الكتابة أشعر وكأنه أنهى عمره بيده.
>الخريطة الثقافية العربية الآن متغيرة بشكل كبير، فهناك بلدان لها تاريخ من العطاء الثقافى متأزمة حاليًا، كيف يمكن الحفاظ على التدفق الثقافى من هذه البلدان ؟
-هناك تغيرات مزدوجة فى الوطن العربى، وتغيرات مأساوية مثل الحالة العراقية، والسورية، الليبية، اليمنية، هذه الحالات العربية مرت بتغيرات قاسية، فمثلا العراق تأثر تمامًا، حاليا يلملم جراحه بالتدريج لكن الخطير فيه أن بنيته الثقافية اخترقت، وتم العمل بقصد مسبق على تدميرها فالمؤسسات الثقافية والمسارح والمتاحف والفنون التشكيلية إلى آخره تعرضت لسياسة كان القصد من ورائها تدميرها، ومحو كل البلدان التى هى علامة من علامات الحضارة العربية.
مصر كانت مقاومة لهذا بشكل أكبر رغم ما مرت به لكن الدولة تم الحفاظ عليها، بالطبع هناك تأثيرات لأنه سياق عام.
الآن هناك وعى لدى الأجيال العربية الجديدة وهذه الأجيال تبحث عن كيفية استرجاع هذه القيم، فالشاب حين يرى المسرح الإنجليزى والأوبرا الفرنسية وسعادة الناس بهذا الفن، يتساءل لما بلده محرومة من هذا! وتتولد عنده الرغبة فى إعادة انتاج هذه القيم. وهذا ليس مستحيلًا لأنه لا المواهب ناقصة ولا القدرات وانما الأمر يحتاج إلى إرادة وقناعة بجدوى الثقافة، وهذا هو المطلوب فى نهاية المطاف. وأعتقد أن مثل هذه الأشياء لها قيمتها، فعندما نتناول كتابيًا مثلا موقع حضارى ما فنحن نعيد سرده إلى الشباب والقراء.
>اخترت دارا حديثة نسبيا معظم جمهورها من الشباب لتقديم طبعات جديدة لثلاث من رواياتك، فى رأيك هل متغيرات العصر تتطلب كذلك متغيرات جديدة فى الكتابة والنشر للوصول إلى الجمهور؟
-يجب أن يتعايش الأديب داخل السياق المجتمعى وليس خارجه، ألا يكون فى برج عاجى ويتعامل من خلاله، لكن يكون داخل المنظومة، ومن ناحية ثقافية بالنسبة لى هذه المنظومة يجب أن تتجدد وأن تصغى للآخرين، أن تجادل ولا تبقى فى دائرة معزولة مكتفية بذاتها، فطالما انت داخل هذه الدائرة فأنت تنتج ثقافة وأدب لديه شىء من الإصغاء للآخرين. أنا أغلب قرائى من الشباب، ففى المعارض المختلفة فى الوطن العربى أرى الشباب يقبلون نحوى، لماذا؟ لأنى أعتقد أن الموضوعات التى أحكى عنها موضوعات إنسانية، وأنها تهمهم، مثلا مى زيادة كل شىء قيل عنها، لكن هناك جانب مظلم صغير لم يتم تناوله، فكرة الظلم، والشعوب العربية تعيش مظالم مختلفة سواء سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية، فعندما تقرأ شابه مثلا الرواية تتقاطع مع إحساسها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. عندما تُكتَب موضوعات لها طابع الحياة والبحث ولها طابع إجرائى أيضًا، مع التقليل من اللغة «المنفوخة» دون جدوى تصبح مرتبطًا مع المجتمع.
>فى أحد حواراتك تحدثت عن الفرق بين الخاطرة والرواية، ونصحت شباب الكُتاب «من الأفضل أن تتأخر سنة أخرى وتكتب نصًا بدون أخطاء»، فى رأيك هل يوجد نص كامل بلا أخطاء؟
-المسألة ليست أخطاء وإنما تسرع، فهى أكبر مقتل بالنسبة للشاب المقبل على الحياة، كلنا بدأنا بنفس الطريقة بأخطائنا وبحماقتنا، لكن هذه الرغبة فى الوصول بأسرع ما يمكن تعطى نتائج سيئة جدًا لأنه فى هذه الحالة سيصطدم بالنقد وبالقراءات وبل بالإهمال النقدى، وربما يتوقف نهائيًا عن الكتابة. وهذه النصيحة أعطيها حتى لنفسى إلى الآن: أنت الآن لديك قضية تعمل عليها وهى قضية تهمك استراتيجيًا، أعطى لنفسك بعض الوقت، كما أشجع الشباب على الورش. فالورش تعطى النصائح، هى خطوط عريضة وأساسية للكتابة الروائية، لا تخص من يعطى الورشة وإنما تخص الرواية نفسها. فالورشة لا تنتج كاتبًا وإنما تمنحه أسلحة للاستمرار لكن يجب أن يكون هو موهوبًا.
>قرأت عن استعدادك لطرح ترجمات جديدة لروايات ألبير كامو، لاعتقادك بأن الترجمات لم تنقل أعماله بالشكل الأمثل، هل واسينى الأعرج منشغل بسد الفجوات الثقافية؟
-لا أستطيع سد النقص، فهو كبير وضخم، ولكن على الأقل أسهم فيها، وإنجاز هذه الترجمات لأنى رأيت فيها بعض الهفوات، وقد كتبت عن سلبيات الترجمات العربية لأعمال كامو، وهو ما لا يلغى جهود المترجمين السابقين على الإطلاق، لكن على العكس لقد قاموا بما يجب عليهم فى أوقات سابقة أما الآن فعلينا أن نعيد النظر فى هذه الترجمات، فاللغة المترجم منها فارقة فى وصول النص للقارئ. أردت أن أتيح رواياته الخمس فى علبة لمن أراد أن يقرأ له، فأعيد ترجمتها بحب للجهد السابق وبحب كبير لهذا الكاتب وبنقد كبير أيضًا. فمقدمة هذه الترجمة عبارة عن 160 صفحة، تحتوى على إجابات للتساؤلات المختلفة: لماذا أترجم ألبير كامو من جديد؟، ما قيمة هذه الترجمة؟، ومن هو ألبير كامو وما موقعه؟ لأن كامو بدا متناقضًا وفى حالة صراع دائم مع نفسه، فكون نصفه فرنسى جزائرى ظل صراعا صاحبه فى جميع أعماله خاصة أنه فى أوقات الحرب لا يمكن أن يكون هناك هذه الحالة من البين بين وإنما يجب أن يكون هناك مواقف صريحة ومعلنة بشكل قاطع وهو ما ظل مؤرقًا لكامو، لذلك رغبت أن أهيئ القارئ لقراءة أعماله قبل الشروع فى هذا الكتيب المنفصل.
>يبدو أنك منشغل بإنصاف الشخصيات التاريخية سواء البير كامو أومى زيادة؟
-لأن هناك ظلم فى الحياة ونحن حين نكتب حتى فى الموضوعات العادية فنحن ندخل إلى أعماق الإنسان، مثلا رواية نساء كازانوفا، بعض النقاد قالوا إن نهايتها قاسية، لكنى أرى أننى فى عالم ملىء بالمظالم التى تجدر الإشارة إليها فأنت ترى العلاقات الإنسانية فى منتهاها وفى أعماقها.

*منشور بجريدة القاهرة