أخبار عاجلة

البحث عن وليد مسعود.. قراءة نسرين يوسف في رواية جبرا إبراهيم جبرا

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب قراءة الناقدة نسرين يوسف، في رواية “البحث عن وليد مسعود”، للكاتب جبرا إبراهيم جبرا.

(في الشباب نخجل من الاستغراق في الذكريات؛ لأن الحاضر والمستقبل أهم وأضخم، لكننا مع تقدم السن يقل فينا الخجل)……من ذكرياتنا نبدأ وإليها نعود، هكذا فعل (جبرا إبراهيم جبرا) مع بطل روايته (البحث عن وليد مسعود)…وما هي إلا قبس من حياة جبرا شخصيًا.
ـ تنقسم الرواية إلى اثني عشر فصلًا حول وليد مسعود الفلسطيني المتمرد، الذي يترك خلفه تاريخًا حافلاً من النضال ضد المحتل في فلسطين، وهو الغارق في علاقاته الاجتماعية المعقدة، ويعتبر وليد محور الرواية، ويكون اختفاء وليد مسعود رمزًا لبحث من حوله عن أنفسهم من خلال البحث عنه.
فكل شخصيات الرواية رجالًا ونساءً يحاولون البحث عن وليد بحل كل الأسئلة التي طرحها عليهم في لقاءاته أو من خلال كتبه ومقالاته، ومن هنا تبحث تلك الشخصيات عن نفسها، وتجيب عن أسئلته بكل صراحة ووضوح.
ـ الرواية تعرض مشاعر التيه التي يتعرض لها المغترب وما يقوده إلى الانغماس في المجتمع البغدادي وملذاته من نساء وخمر، مع ادعائه للفضيلة والزود عن البلاد.
ـ شخصية وليد شخصية معقدة فهو كاتب ومؤلف صاحب نظريات فلسفية تُثير الجدل محب لبلاده، مدافعًا عنها، منغمسًا في الملذات خاصة النساء والخمر، يقرر فجأة الاختفاء ولا أحد يعلم أين ذهب، يحاول مجموعة من الأصدقاء البحث عنه، من خلال مقالاته التي ينظر البعض لها على أنها الهروب، ومنهم من يوضح أنه الانتحار، وكل منهم يكشف نفسه من خلال علاقته بوليد مسعود.
ـ في بداية الرواية ينفي جبرا أن تكون الأشخاص والأسماء حقيقية، وأن أي تطابق غير مقصود، وأرى أن هذا النفي أدعى بأن يجعل الأشخاص والأسماء جزء من الحقيقة؛ أليس وليد مسعود هو جبرا نفسه، ويظهر ذلك من خلال التطابق الواضح بينهما، فكلاهما مثقف واعٍ كثير الاطلاع، كاتب مرتحل من فلسطين للعراق، مهموم بمأساة شعبه، ولقد ذكر جبرا تفاصيل حياته في سيرته الذاتية (البئر الأولى).
ـ تظهر في الرواية بعض السمات الشخصية للكاتب:
*فقد ولع جبره بالفنون والثقافة الأجنبية، وقد ظهر ذلك في ثنايا الرواية وفي الاقتباسات العديدة للكتاب الأجانب، وذلك في جعله من وليد مسعود نموذجًا (لهملت)، كما جعلها شخصية متناقضة، أصبح الجميع يرى نفسه فيها كما لو كان مرآةً لهم.
ـ نجح جبرا في إثارة الغموض والتشويق من خلال شخصية وليد مسعود؛ فنظل نقرأ الرواية بنهم وتأخذك بكل شخوصها وأحداثها؛ لتبحث معهم عن وليد مسعود، أين ذهب وكيف اختفى وما حكايته، وأين يكمن السر، كل ذلك يتحرك داخلك أثناء القراءة تفاعلًا مع شخصياتها وأحداثها.
*تظهر في الرواية ثقافة جبرا الكبيرة وتأثره بالأدب الغربي، كما يظهر الجانب الديني لديه وتأثره به وذلك في الهروب من الدير فهو من أفضل وأجمل فصول بلا منازع.
*كذلك يظهر أثر البيئة في نفس الفصل وفي وصف البيئة الجبلية وطبيعة فلسطين، وكذلك وصف العراق وحدائقها وجمال طبيعتها.
* لغة الكاتب ومفرداته راقية بعيدة عن الغموض رغم وجود بعض الكلمات المستخدمة في البيئة الفلسطينية التي لم أعرف معناها إلا بالرجوع للبحث على شبكة الإنترنت.
*أما عن الشخصيات فكان بارعًا في وصفها وقد عبر عنها وقسمها إلى قسمين:
شخصيات متوافقة مع وليد مسعود، وشخصيات نافرة مضادة له، وهي في الحقيقة ليست كذلك فكلها متطابقة معه فهو التناقض نفسه.
*تتعدد بالرواية الأصوات الروائية فقد جعل من كل شخصية راويًا للأحداث ويختلف هؤلاء الرواة نفسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا .
*يظهر بالرواية الصراع، وهو صراع المغترب المثقف في تشتته عن مجتمعه وعن هويته، ويظهر الصراع الداخلي للبطل من خلال تصرفاته، فهو شخصية مثالية وقد تعامل معه جبرا على أنه إله رغم غرقه في الملذات والنساء والخمر، مع الإصرار علي تحسين أوضاع المجتمع وحمايته ـ تناقض رهيب ـ .
ـ كذلك الصراعات الداخلية للشخوص تظهر مشتتة غامضة لا تجد نفسها إلا من خلال شخصية وليد مسعود.
*أما عن المرأة في الرواية فهي متحررة إلي أقصي درجة، وقد جعل جبرا كل نساء الرواية يحببن وليد مسعود، ويحكين ذلا بلا خوف أو خجل، وربما كانت تعرف كل منهن علاقة وليد بالأخريات، وأنه ربما جمع أكثر من علاقة في وقت واحد، مما أدى بهن إلي الطبيب النفسي.
ـ أما العجيب في هذا الموضوع ارتباط بعضهن وربما الزواج من أصدقاء وليد الرجال، وربما كان يعرف هذا الصديق تلك العلاقة، ولا يعترض أو يثور أو حتى يفكر قبل الارتباط، ولكن تأخذه الغيرة، لا أقصد غيرة الرجل علي نسائه، بل الغيرة من وليد مسعود، فكل النساء تحبه ولا ترى غيره…… وهنا نجد سؤالا هل يُعقل أن يكون هذا الوضع سائدًا في تلك الفترة ؟؟ وهل هذا هو التفكير الشرقي للرجل في تلك الحقبة ؟!!! ……. لا أعتقد.
*النموذج النسائي هنا رسم مولعًا بالحب والجنس وبصورة مبالغ فيها، فقد عاشر وليد مسعود كل نساء الرواية ما عدا زوجة دكتور جواد (هالة)، وهنا نسأل جبرا لِمَ لم تجعلها من ضمن نسائه، هل لأنها استعصت عليه، وكانت شخصية قوية لم يتسن له غوايتها؟!! أم لأنها زوجة الراوي الرئيسي للأحداث؟!!
* أما عن البيئة فهي تدور بين بغداد وبيروت والقدس والعراق، الجزء الخاص بفلسطين وما يضم حياة وليد الأولية؛ كان من أمتع ما يكون فقد وصف فيه المكان وعبر عن العادات والتقاليد تعبيرًا ممتازًا، وكذلك ملامح البيئة الجبلية خاصة الجزء الخاص بالهروب من الدير.
* أما الجزء الخاص بالبيئة العراقية فلم أجد من الكتب ما يتحدث عن الحياة الاجتماعية للعراق بالتفصيل في ذلك الوقت، فلقد صوره جبرا منفتحًا كأوروبا تمامًا( نساء وخمر وجنس) وقد بحثت عن البيئة العراقية الاجتماعية في الفترة ما بين( 1970ـ 1980) وهي فترة كتابة الرواية، فقد كتبت عام 1978 فلم أجد لها ملامح سوى الحرب.
1ـ ففي عام 1970: الحرب العراقية الكردية واستمرت أربع سنوات، وتم الاتفاق علي خطة سلام.
2ـ 1972: إقامة معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتي.
3 ـ 1974: الحرب العراقية الكردية الثانية لمدة عام.
4ـ 1975: وقعت العراق وإيران معاهدة لإنهاء نزاعهما الحدودي.
5ـ 1979: تولي صدام حسين السلطة (وهنا اتجهت الأفلام والروايات للسياسة لأغراض الحرب وأغراض سياسية).
6ـ 1980: إيران تقصف بلدان على الحدود واعتبرت العراق ذلك حربًا، وألغت اتفاقية عام 1980، كما هاجمت العراق أهدافًا في العمق الإيراني وبدأت الحرب.
المصدر: (كتاب لمحات من تاريخ العراق “علي الوردي”ـ كتاب تاريخ بغداد ” للبغدادي”
ولا أعتقد أن بيئة تجتاحها الحروب تصبح منفتحةً هذا الانفتاح أو الانحلال إن أردنا التعبير الدقيق، خاصة أن تلك الفترة بعيدة عما يحدث الآن.
*سمات أعمال جبرا: أعمال جبرا الروائية تقدم انعكاسًا وصورة قوية لمأساة قومه (التعبير الجيد عن الثقف العربي المغترب واغترابه وهمومه بمأساة شعبه).
*عيوب الرواية:
1ـ الملل الذي يصيبنا والتطويل في أجزاء كثيرة من الرواية، وكذلك الحشو الزائد للأحداث.
2ـ المبالغة في علاقاته النسائية.
3ـ فكرة النضال في حياة البطل لم تكن علي المستوى المطلوب مما يتنافى مع رسم الشخصية وعمقها، فلم تكن كقوة البعد الاجتماعي والجنسي والعاطفي للبطل.
4ـ التأثر الشديد بشكسبير ونقله لمقاطع كاملة من أعماله، مما جعل البطل مأسويًا.
5ـ ملامح البيئة العراقية كانت مشوشة تمامًا، ولم تكن بوضوح البيئة الفلسطينية.
ـ أما لمن لا يعرف جبرا إبراهيم جبرا:
(معني جبرا: كلمة أرمية الأصل تعني القوة الشديدة):
من مواليد بيت لحم عام 1919، عالم لسانيات وشاعر ومترجم وناقد أدبي، من السريان الأرثوذكس الأصل، درس بالقدس وانجلترا وأمريكا، ثم انتقل للعمل في جامعات العراق، لتدريس الأدب الإنجليزي، وهناك تعرف علي النخبة المثقفة، وعقد علاقات متينة مع أهم الأدباء مثل السياب والبياتي.
واستقر بالعراق بعد حرب 1948، أنتج سبعين من الكتب والروايات المؤلفة والمترجمة، وتُرجمت أعماله إلي العديد من اللغات.
يُعتبر من أكثر الأدباء العرب إنتاجًا وتنوعًا، إذ عالج الرواية والشعر والنقد، وخاصة الترجمة.
وتُوفي عام 1994 ودفن في بغداد.