“عراق على صفيح ساخن”.. تقديم الكاتب الصحفي حسين متولى لكتاب شيركو حبيب
ينشر موقع “عالم جديد”، سطور تقديم الكاتب الصحفي حسين متولى، لمؤلف كتاب “عراق على صفيح ساخن” الكاتب الصحفي الكوردي شيركو حبيب، الصادر حديثا عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع، ويشارك به المؤلف ضمن 11 كتابا جديدا عن الدار، في معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال يناير المقبل.
عاش شيركو حبيب في مصر خلال السنوات الأخيرة، وهو صحفي من كوردستان العراق، مسؤول مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني في القاهرة، وشارك كتاباته المنتظمة في عدد كبير من الصحف المصرية، وقدم التاريخ الكوردي المعاصر عبر ترجمات هامة لوثائق الأرشيف الوطني البريطاني، وأسهم بشكل كبير في تدعيم العلاقات بين القاهرة وأربيل على مستويات مختلفة.
وجاء في تقديم حسين متولى للكاتب الصحفي شيركو حبيب :
قبل ما يزيد عن سبع سنوات، التقيت الكاتب الصحفي الأستاذ شيركو حبيب، واقتربت منه كثيرا، أو قل عايشته عن قرب، جمعتنا صداقة مثلت سماتها إضافات غير مسبوقة إلى شخصي وشخصيتي، أعترف أنها حضرت متأخرا، لكنها غيرت الكثير من قناعاتي.
هو صحفي محب لعمله بشدة، منضبط في أداء كل مهمة مسندة إليه، يعرف قيمة الوقت، يزهد كل إنجاز متطلعا لما يليه و يفوقه، لديه شغف لا ينتهي بكل معرفة، يفقد أعصابه كثيرا أمام أي عمل غير متقن أو مكتمل، ولا يتنازل عن دقة فيه تضاهي دقة الترجمة التي يعشقها ويتمتع بها كمهارة تميز صحفيا وكاتبا وباحثا عن أقرانه، ربما تظل إمكاناته هذه أهم أسباب تفوقه ووصوله إلى ما لم يصل إليه صحفيون كثر.
قبل نهاية العام 2025، فاجأنا شيركو حبيب بإصدار كم من مؤلفاته، دفعة واحدة، عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع، أظن أن مديرتها الزميلة الكاتبة الصحفية ولاء أبو ستيت أرهقت معها بقدر سعادتها بإنجازها في زمن قياسي، جميعها يقدم بها تاريخ الكورد وشخصياته المعاصرة، عبر سيرتهم في الأرشيف البريطاني أو الصحف المصرية، وهي رسالة مثلت إضافة غير مسبوقة لدوره الأول الذي حضر لأجله إلى مصر، مسؤولا عن مكتب تمثيل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة، والذي وطد من خلاله علاقات بين مجتمعين، وأعاد ترتيب مفاهيم السيرة التاريخية بين شعبين، بأنشطة ولقاءات وفعاليات متنوعة، تضمنت الكثير من أسباب التقارب بين المصريين والكورد.
في وقت قصير، تمصر الكوردي صاحب الطباع الصعيدية، وهضمت المحروسة، كعادتها مع مريديها، كل تنويعاته الثقافية، التي استمدها من خبراته وترحاله، وربما تغريبته بعيدا عن كوردستان لأسباب عمله وإقامته، فتجده لا يطيق ساعات يوم في مصر دون مزاحمة أهلها على شوارع وأماكن تعبر عن روحها، يحفظ مواعيد فتح وغلق كل المتاحف والمناطق الأثرية والتراثية، يفضل المرور في طريق العودة إلى منزله عبر الأوتوستراد ليطمئن على إرث الجد الكوردي صلاح الدين الأيوبي بالقلعة كما يداعب بسيرته سائقي السيارات، يخطف ساعات الصباح بين عمل ومقابلات علم يقضي ببعضها حوائج أبناء وطنه المقيمين في مصر، ويعتز بساعة صفا مع صديقه الأقرب الأستاذ الدكتور محمود زايد، ومعهما أحل ثالثا لتمتلئ ذاكرتي بنعم الحديث الجاد، والسامر أيضا.
لم تشهد الصحافة المصرية حضورا منتظما لكاتب كوردي على صفحاتها، المطبوعة والإلكترونية، بقلمه وعلمه وحديثه، مثلما جاء شيركو حبيب إليها بمعلومة و رأي وتصريح ونقد وتدقيق، زينت مقالاته كبريات الصحف الصحف المصرية منذ سنوات، ومثلت غزارة كتاباته فرصة للباحثين عن معلومة مؤكدة في الشأن الكوردي، وهو القريب من صناع القرار في إقليم كوردستان، و قادته كافة، وقد استخدم قلمه بمنهج متزن و حرفية شديدة، ركز بداية على تقديم أسباب التقارب والمصير والقدر المشتركين بين شعبي مصر وكوردستان، وجذور وتاريخ العلاقات، وحضور الكورد إلى مصر قبل قرون، وذوبان عائلات بكاملها من هذا العرق النقي في المجتمع المصري بكافة طبقاته، منذ وصول صلاح الدين الأيوبي إلى ما بعد العائلة البدرخانية، مركزا على المرحلة المعاصرة من تاريخ هذه العلاقات، والتي زرعت بذرتها بإطلاق أول صحيفة ناطقة بلغة الشعب الكوردي في 22 أبريل عام 1898 من مصر وطبعها بدار الهلال، ثم استقبال الزعيم جمال عبد الناصر للزعيم الكوردي ملا مصطفى بارزاني أوائل أكتوبر عام 1958، وإطلاق ساعات بث للإذاعة الكوردية بصوت العرب لنحو عشر سنوات، مرورا بلقاء الرئيس الراحل حسني مبارك مع الزعيم مسعود بارزاني عام 2006، وصولا إلى إشارة الرئيس عبدالفتاح السيسي، القوية الجادة، إلى حقوق الشعب الكوردي القومية، خلال مؤتمر الشباب بمدينة شرم الشيخ عام 2019، موجها كلماته إلى فتاة كوردية حضرت إلى أرض السلام.
قدم حبيب؛ من خلال كتاباته، صورة واضحة للشعب الكوردي، وتاريخه وتكوينه وثقافته، مركزا على قضيته، مدافعا عن عدالتها بأدلة تزيل الشكوك في حكوماته و توجهاتها ومرادها، فتجده مشدداً على تمسك قادة كوردستان بالدستور العراقي والفيدرالية، معززا فكرة تمسك الكورد بوحدة العراق رغم كون حدوده السياسية قائمة وغيره من البلدان على أراضى كوردستان بقسمة وحسبة قوى الاستعمار القديم، يصحح مسار المنحازين للماضي وتشوهاته، بالإشارة إلى واقع ما بعد 2005 وما يحتاجه العراق من توافق ونبذ للخلاف حتى ينطلق نحو المستقبل، يرفض التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي الوطني، يدحض مزاعم المشككين في موقف الكورد من القضية الفلسطينية، فيؤكد دوما على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وعاصمتها القدس، ويسخر في كتاباته من تشبيه المتطرفين سياسيا الإقليم بالكيان الصهيوني، أو وصف عاصمته أربيل بأنها تل أبيب الثانية.
مع كل استحقاق انتخابي عراقي، يعاود شيركو حبيب الكتابة عن محنة البلد المستمرة منذ عقدين، ومظاهرها صعوبة التوافق على تشكيل حكومة بناء على نتائج الانتخابات، وهي ظاهرة ممتدة لإقليم كوردستان ذاته تعبر بوضوح عن محنة البيت الكوردي وتباين توجهات الأحزاب والقوى الكوردستانية، رغم أحكام الديمقراطية القاطعة المستندة للصناديق وما أقرته و أملته إرادة المواطنين، محذرا دوما من حالة شقاق تهدد مستقبل البلد في عالم متقلب ومنطقة ملتهبة منذ رسم خارطة الشرق الأوسط، الذي ظهر اصطلاحا للمرة الأولى على لسان وينستون تشرشل عقب نهاية الحرب العالمية، وتطور كمشروع ذي أبعاد وأهداف متعددة معقدة برؤية القطب الأوحد بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وتغير معه العراق كلية في 9 أبريل عام 2003.
دائما ما يشخص شيركو حبيب أزمة العراق في تغييب الدستور، ويحدد أسبابا واضحة للخلافات غير الصحية بين بغداد وأربيل، ويقدم حلولا عملية لها، تنطلق من رؤية واضحة لقادة كوردستان نحو ضرورة التوافق، وأولهم الزعيم مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي و فقيه الكورد الحاضرة رؤيته في كافة جولات الحوار العراقية، ولا تفوت كتاباته تعريف مطالعها بمرجعية الكورد المعاصرة ملا مصطفى بارزاني، مؤسس الحزب وأول من رفع معه شعار “الديمقراطية للعراق”، لتكون مطلبا لكافة فئاته وطبقاته التي تحالفت مع ثورات الكورد اللاحقة، ضد ديكتاتوريات متعاقبة، مذيلا كتاباته بإشارات قوية لتضحيات الكورد تجاوزت حالات الثورة إلى جرائم أنظمة بحقهم، وصولا إلى المواجهات المباشرة للبيشمركة مع تنظيم داعش منذ العام 2017، بالشراكة مع الجيش العراقي، وقد حل وباء الكورونا بعد خطر الإرهاب، ليمثل تحديا جديدا لحكومة الإقليم، التي خصص شيركو حبيب مقالات مهمة للحديث عن دورها وإنجازاتها، وما تحقق في كوردستان من إصلاحات وتنمية جعلت من الإقليم واحة للاستقرار وملجئا لمئات الآلاف من الأعراق الأخرى خلال الأزمات، بجانب تطور تشريعاته الاقتصادية ليكون جاذبا للاستثمار الذي تشرح مقالات حبيب فرصه للمصريين والعرب، مثلما تنقل تحديثات عن تطور مكانة أربيل لدى البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية، وقد كانت مصر أولى الدول العربية التي تفتح قنصلية لها هناك.
تظهر كتابات شيركو حبيب ارتباطا إيجابيا بين عمله الصحفي ودوره الحزبي، فما بها يمثل إيضاحا أكثر من كونه دفاعا، وما تستند إليه يقترب من حقائق لا خلاف عليها، فمتى حضرت مناسبة تاريخية عززت كلماته ما يجمع القاهرة وأربيل، كيوم الصحافة الكوردية، احتفالا واستذكارا، وعند تفاعل وتكامل أدوار المؤسسات الوطنية المختلفة في خدمة الوافدين، كمؤسسة الأزهر الشريف، وجامعتها هنا، ومعاهدها هناك، وعلى أرض الواقع تجده يسبق ما يصيغه بقلمه، بفعل يخدم به بنى وطنه، ويعزز به فرص التواصل بين مصر وكوردستان، والعراق كله، فمرات تشهد القاهرة احتفالات بيوم الصحافة الكوردية يشرف هو على تنظيمها، ومرات يمنح القراء ما يغيب عنهم من معلومات حول تاريخ العلاقات الثقافية والفنية بين مصر وكوردستان، وتفرج مؤلفاته أيضا عن تفاصيل نشأة رواق الأكراد في الأزهر الشريف، أو يفاجئ القراء بأسرار زيارة ملا مصطفى بارزاني إلى جبهة القتال في بورسعيد داعمًا للمقاومة الشعبية المصرية ضد العدوان الثلاثي، معتزا في كتاباته عن ثورة يوليو بعظمة إنجازاتها، وسيرة الزعيم العربي الأقرب لقلوب الكورد، جمال عبد الناصر، الذي تفسر لك سطور مقالاته كيف كان إيمانه بحقوق الشعب الكوردي الكاملة، منطلقا من إيمانه بالقومية، القائمة على اللغة، والشعب، والهوية، والثقافة، والخصوصية المرتبطة بالعرق والأرض.
أظنها خطوة مهمة، أن يبادر شيركو حبيب بجمع مقالاته في كتاب، فهي ثروة معرفية لا يمكن تركها لصدفة الاجتهاد الفردى لجمع أرشيف ورقي، أو الرهان على ذاكرة المواقع الإلكترونية للصحف المنشورة بها، وللقارئ، والمتابع للشأن العراقي والكوردي، وعلاقات مصر بهذا الشعب العظيم، أن يدرك طبيعة الظرف التاريخي الذي نشر خلاله كل مقال، وتوقيته الذي تفاعل به الكاتب مع حدث يقصده أو سيرة يستذكرها، فهو هنا لا يؤلف ولا يكتب تاريخا، بل يتيح إرثا معرفيا ويحفظه للمستقبل، ليمثل إضافة لجيل تال بعده من الكورد القادمين إلى مصر باحثين عن منجزات من سبقوهم إليها، وشهادة لصاحبها على عصر، تحسب له خطوة توثيقها، أو تؤخذ عليه متى رصد آخرون تخليه عن مضمونها، فخطوة الكاتب جمع بعض مقالاته التي تعبر عن مواقفه، في كتاب مطبوع، أصعب وأجرأ قرار، يعرضه لاحقا للنقد والمحاكمات الرمزية، متى اختلف معه أصحاب رأي، مفكرون.. أو متربصون.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع