حسين متولى يكتب: ظاهرة جديدة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026
خلال أيام قليلة، تنظم وزارة الثقافة المصرية الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وقد اتخذ الدكتور أحمد فؤاد هنو خطوة هامة لتعزيز العلاقات الثقافية بين مصر وفلسطين، بالاحتفاء بالهوية والتراث الفلسطينيين، وهي خطوة مهمة تؤكد على الدور المصري الواضح تجاه الشعوب الباحثة عن الحرية والديمقراطية، بالتوازي معها جاء دور مؤسسة مصرية مدنية أيضا في تقديم التاريخ الكوردي ليكون متاحا أمام جمهور المعرض من المصريين والعرب.
نعم؛ تكتمل الصورة وتتسع الرؤية لها، بحضور كوردي خلال المعرض، يشكل ظاهرة استثنائية في الحدث الثقافي الكبير، متمثلا في قيام مؤسسة مصرية، هي دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع، ومديرتها الزميلة الكاتبة الصحفية ولاء أبو ستيت، بإصدار 11 كتابا دفعة واحدة، عن تاريخ الكورد الحديث والمعاصر، والمفاجأة أن تكون جميعها لمؤلف واحد هو الكاتب الصحفي شيركو حبيب، الذي تواجد في مصر قبل سنوات، وكان له حضوره الدائم في كافة الفعاليات الداعمة للتواصل الثقافي والفني والعلمي والمجتمعي بين مصر وإقليم كوردستان العراق.
هذه الخطوة، لا تقل أهمية في حدود قدرات المجتمع المدني، باعتبار دور النشر جزءا منه، عن أي دور تقوم به كيانات رسمية، فقد أخذ المؤلف على عاتقه تعريف الشعبين المصري والعربي بالتاريخ الكوردي و رموزه، وثقافته وهويته، واتجاهاته ومناداته الدائمة بالحرية والديمقراطية، والمساواة والعدالة، كما أزالت بعض كتبه اللبس لدى العرب تجاه مواقف الكورد من بعض القضايا، وأولها القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته وعاصمتها القدس.
كتب شيركو حبيب، تتعرض أغلبها للتاريخ الكوردي في ضوء وثائق الأرشيف الوطني البريطاني، وتقدم نماذج النضال البارزانية التي قادت شعبا أبيا نحو التحرر، لكن ثلاثة منها يهمنا كثيرا الإشارة إليها، لما تتضمنه من مواقف ومعلومات متصلة بالعلاقات المصرية الكوردية، ومواقف الكورد تجاه الأزمات المصرية فترة ما بعد التحرر من الاستعمار البريطاني، والقضايا العربية عموما وأبرزها القضية الفلسطينية، ومحاربة الإرهاب، بجانب حالة الاتصال المستمرة بين الكورد والأزهر، الجامع والجامعة، عبر الرواق الخاص بهم.
سيكون متاحا لجمهور المعرض الوصول إلى رؤية الكاتب وموافقه من خلال كتاب يضم مقالاته المنشورة بعدد من الصحف العربية والمصرية وأشهرها الأهرام، وفي ثاني أهم الكتب الثلاثة بوجهة نظري، كتاب “ملا مصطفى بارزاني.. رمز أمة وعنوان نهضتها”، تظهر حالة الاتصال المصري الكوردي أكثر وضوحا في صفحاته عن الدعم المصري للكورد، والذي امتد منذ إصدار أول صحيفة كوردية في مصر طبعتها دار الهلال قبيل نهاية القرن التاسع عشر بدعم من العائلة البدرخانية، مرورا بموقف الزعيم الكوردي ملا مصطفى بارزاني مؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني، والذي زار مصر بعد عودته من منفاه في روسيا، واستقبله الزعيم جمال عبد الناصر أوائل أكتوبر عام 1958، وموقفه الداعم للمقاومة الشعبية المصرية ضد العدوان الثلاثي على بورسعيد، وهو كتاب يوضح للقارئ كيف كان عبد الناصر زعيما يؤمن بالقومية ويدعم نسختها الكوردية كما روج للعربية منها، فرفض قتال الكورد، وقدم لقضيتهم أكبر دعم بإتاحة وإطلاق أول بث إذاعي كوردي امتد لأكثر من 10 سنوات عبر أثير صوت العرب، وصولا إلى العلاقات الطيبة بين الرئيس حسني مبارك والزعيم مسعود بارزاني، وأخيرا التقدير المصري على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي لكافة الحقوق القومية الكوردية خلال مخاطبته إحدى الشابات الكورديات في مؤتمر الشباب بشرم الشيخ عام 2019.
في كتابه هذا ينقل شيركو حبيب عن صحيفة الأخبار المصرية ما أوردته على لسان ملا مصطفى بارزاني في 29 أكتوبر 1966: «لم أبك في حياتي ولم تعرف عيناي الدموع، ولكن عندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وجاءت أخباره إلى موسكو وكنت وقتها لاجئا، هناك فجأة دون إرادتي انهمرت الدموع من عيني ولم أستطع منعها، وكانت هي المرة الأولى والوحيدة حتى الآن، وذهبت إلى المسؤولين في موسكو وطلبت منهم أن يفعلوا أي شيء لمنع استمرار العدوان وطلبت أن يرسلوني إلى مصر لأساهم في الدفاع عن بلد شقيق تعرض للعدوان، فنحن أخوة والقومية الكوردية هي شقيقة القومية العربية على مدار التاريخ».
تلك إشارة تهمنا للاستعانة بها في فهم مستوى العلاقات مع الكورد ومكانة مصر لديهم، لكنها دلالة تكتمل عند مطالعة تاريخ الكورد الدارسين في الأزهر الشريف عبر كتاب شيركو حبيب “رواق الأكراد”، و في مقدمته يقول : “كنا نسمع عن الأزهر منذ أمد بعيد، وكنا صغارًا وكان الفهم عندنا بأن الأزهر المسجد وليس الجامعة، وكنا نتصور من يخرج من الأزهر سيصبح رجل دين، وكنا نفتخر بأن الفلان الفلاني طالب من كوردستان يدرس في الأزهر، وذلك من الناحية الدينية بأن الأزهر مسجد ومركز ديني عالمي، وكأننا نعتقد من يتخرج من هذا المكان فهو ذو اثنا عشر علما، وحتى الآن جامع الأزهر له المكانة والاحترام لدى المواطن الكوردي”.
ثم يسرد حبيب، تفاصيل وطبيعة هذه المكانة المصرية الأزهرية لدى الكورد مردفا “منذ القدم كان الطلاب الكورد من رواد هذه الجامعة عندما كان عدد الكليات لا يتجاوز أصابع اليد، وشكل لهم رواقا باسم (رواق الأكراد) بمثابة الجناح الخاص للطلبة الوافدين الكورد سواء من كوردستان العراق أو تركيا أو إيران، حتى أصبح الشيخ الجليل عمر وجدي مشرفا على الرواق الكوردي وهو من کوردستان تركيا. وكان الطلاب الكورد آنذاك وخاصة في فترة الستينات أو بعد ثورة يوليو 1952 لهم مكانة خاصة، كما ذكر لي طلاب تلك الفترة. ومن أكمل دراسته عاد إلى كوردستان لكي يعلم الآخرين بما تعلمه من علم و معرفة في هذا الضرح العلمي، من أصبح يدرس في المدارس الاعدادية أو الجامعات”.
إن الأزهر بعيون كوردية منبر للعلم والثقافة، وجامعته تستقبل العشرات من الطلبة الكورد، كما للأزهر معهد خاص في أربيل عاصمة إقليم كوردستان، تأسس سنة 2008، باتفاقية بين حكومة الإقليم و مصر.
ولأهمية هذا الكتاب “رواق الأكراد في الأزهر”، فقد ناقشه مؤخرا معهد الأئمة والخطباء في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لحكومة إقليم كوردستان، ودعاة الإقليم هناك يقدرون تماما مكانة الأزهر ودعمه للكورد، وبين طلابهم من أثروا القسم الكوردي في إذاعة صوت العرب منذ العام ١٩٥٧ وحتى العام ١٩٦٨.
شيركو حبيب، صحفي ومترجم وباحث مهم في التاريخ والعلوم السياسية، يؤكد دوما أن الشعب المصري هو الأقرب إلى الكورد، ويعزز حجته على ذلك بأن عائلات كوردية حضرت إلى مصر قبل الدولة الأيوبية لتحتفظ بأصولها وتعتز بمصريتها أيضا على أرضها الآمنة، وهو في الوقت ذاته يشدد بصفته السياسية على تمسك الكورد بموقفهم الداعم لعراق فيدرالي موحد لا تنتقص حكومته أية حقوق لأي من مكوناته، وهي وجهة نظر تتفق بالضرورة مع الرؤية العربية للعراق خاصة منذ وضع دستوره الجديد قبل عقدين من الزمان.
أظن أن هذه الحالة الفريدة لحضور مؤلف بكم غير مسبوق من الكتب، للمشاركة بها عبر دار نشر مصرية، في معرض القاهرة الدولي للكتاب ال57، ستكون ملفتة للنظر، وتجربة يمكن تكرارها والأخذ بها لدى مؤسسات ثقافية أخرى، تعمل على نشر وتبادل الثقافات بين الشعوب عبر النشر، وهي تجربة دالة على أمرين هامين، أولهما أن تقديم الثقافة والعلم للجمهور عبر مصر ومعرض القاهرة الدولي للكتاب يعني الوصول عبر أقصر الطرق للوعي العربي والإسلامي، وثانيهما أن دور النشر المصرية التي يديرها مثقفون ليست دكانين لنقل وتجارة الكتب المحشوة أغلفتها بأي محتوى، وإنما هي أداة حرة ناعمة تضاف لأدوات الدولة وتكملها، لتحقيق غاية الوصول بالعلم والمعرفة الحقيقيين إلى الناس، فانتقاؤها الأعمال الجادة ووضعها خطط نشر واضحة تؤكد ريادتها دوما، ومستقبلا وإن كانت ناشئة.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع