حسين متولى يكتب: فقراء مدينة القاهرة.. وعشوائياتها
صدرت مؤخرا عن سلسلة تاريخ المصريين، بالهيئة المصرية العامة للكتاب، دراسة علمية هامة للدكتورة نسمة سيف الإسلام سعد، تحمل عنوان “فقراء مدينة القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين 1907 – 1952″، وهي واحدة من الدراسات التي تجيد هيئة التحرير انتقاءها وتقديمها لجمهور الثقافة، ولم لا، وعلى رأسها العلامة الراحل قبل أيام الأستاذ الدكتور محمد صابر عرب، والأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، الذي تتلمذت على يديه بآداب عين شمس، والفاضلة الدكتورة أمل فهمي، مدير تحرير السلسلة.
تقدم الدكتورة نسمة سيف الإسلام سعد، جهدا بحثيا مهما، لتصدر لنا تاريخا اجتماعيا بواقعه دون إخفاء، وإحصاءاته التي لا يخطئ تقديرها وتحليلها عقل، حينما تتناول ظاهرة الفقر كواحدة من أخطر التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي عاشها سكان القاهرة خلال الفترة محل الدراسة، لترصد كيف امتزجت عناصر البنية الاجتماعية وتفاعلت بحيث صارت ذات ملامح حضرية الطابع، مدنية المظهر، موضحة أن المشاكل التي يعيشها نفس السكان حاليا تعد امتدادا لمثيلاتها خلال فترة الدراسة، ومن العشوائيات.
تمهد الدراسة؛ لوصف أوضاع مجتمع القاهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبروز مشكلة الفقر منذ مجئ الاحتلال البريطاني عام 1882، وتنطلق في فصولها نحو تناول مشكلات سوء الأحوال المعيشية، وخطوات الحكومات لمواجهة مشاكل الفقراء، عبر التنمية أو التشريعات، كما ترصد تناول الصحافة والبرلمان لقضايا فقراء العاصمة وأزمات الغلاء والدور الحكومي في مواجهته، وكذلك دور مؤسسات المجتمع المدني في تخفيف حدة مشكلة الفقر، وأخيرا تناول الأدب والفن لواقع فقراء مدينة القاهرة، مذيلة دراستها بنتائج وتوصيات استحقت تقدير الدكتور إسماعيل محمد زين الدين، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بآداب القاهرة، المشرف على رسالتها وصاحب مقدمة الكتاب.
تشير بعض سطور الكتاب؛ إلى المناطق الأعلى كثافة في عدد السكان، كأحياء باب الشعرية والموسكي، رغم صغر مساحتيهما، ولجوء الفقراء إلى العيش في المقابر و على مرتفعات المقطم، كما ترصد رأي الصحافة الوفدية في قضايا الفقراء وتباينه متى حكم حزب الوفد أو غاب عن السلطة، و دور بوليس القاهرة في مكافحة الجرائم المرتبطة بالفقر والناتجة عنه، ودور تغييب حماية الحق في التعليم منذ دستور 1923 في تفشي أوضاع الجهل والأمية حتى وصلت نسبتها عام 1927 إلى 92 % من إجمالى عدد السكان.
قبل نحو ربع قرن؛ أصدر الدكتور عبد الوهاب بكر، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، كتابه “مجتمع القاهرة السري”، يتناول فيه عالم الجريمة المرتبطة بممارسة البغاء في مصر بين عامي 1900 و 1951، وهي فترة كاشفة لإدارة رسمية لهذا النشاط خاصة في القاهرة على يد حكمدارها الإنجليزي، وتشير إلى انتشار البغاء في أغلب الأحياء التي تشهد فقرا، حتى المقابر والصحراوات المحيطة بها، منتهيا بفترة الدراسة إلى تاريخ إصدار أول قانون يجرم البغاء في مصر.
في العام 1984، قدم المخرج سمير سيف حالة مجتمع البغاء وقوامه الفقراء الذين عاشوا محنة اللحظة، عشية إلغاء لائحة تنظيم بيوت الدعارة ثم تجريم النشاط كلية، قبل عام واحد من ظهور حركة الضباط الأحرار في يوليو 1952، والتي ترجمت أعمالها على الأرض مفهوم “الثورة” على المستويين الاجتماعي والاقتصادي بالأخص، والفيلم من قصة وسيناريو وحوار أحمد صالح وإبراهيم الموجي، مقتبس عن فيلم “إيرما لا دوس” (Irma la Douce) للمخرج بيلي وايلدر، وقد شاركت دراسة “بكر” وهو رجل بوليس سابق، في تفسير كيفية تعاطي هذه الفئة مع القانون القاصر بمواده في وقف البغاء لاحقا، بينما الفيلم يقدم صناعه رؤيتهم لضرورة وجود مشروع وطني حقيقي ينتشل الفقراء من مستنقعات الجهل والجريمة ويدمجهم في خطة واضحة حقيقية تبني بلدا ويدافع أفرادها عن حدوده وهويته.
في العام 2008؛ أعلنت وزارة الإسكان رؤيتها للقاهرة 2050، وجاءت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي قبل سنوات لتنطلق نحو تنفيذها بتصورات متجددة، وهو مهندسها الأول بالأساس، وبسرعة كبيرة بدأت مشروعاتها الكبرى بتوجيهات رئيس الجمهورية، لتعني بالقضاء على المناطق العشوائية في القاهرة، وتحويلها إلى مناطق حضارية تحقق العيش الكريم للسكان، وتخلخل تمركزات الكثافات السكانية عبر فتح محاور مرورية جديدة بها، وتخرج بالمقابر إلى حدود العاصمة، وتعيد النظر في استثمار الواجهة والجزر النيلية، وتشيد العاصمة الإدارية وتنقل أعمال ومقار الحكومة إليها، وتحسن حياة سكان بقاع مختلفة اشتهرت بالفقر أشارت إليها دراسة الدكتورة نسمة سيف الإسلام عن فترة مضى عليها قرن من الزمان.
كل هذه المشروعات؛ حضرت في ظل ضوابط دستورية جديدة تمثلت في المادة 63 والمادة 78 من دستور 2014،. الأولى؛ تشير إلى تجريم عمليات الإخلاء القسري، والثانية تعني بضرورة تطبيق الحكومات مفهوم التنمية والتطوير بالمشاركة مع سكان المناطق المستهدفة في خططها، مع وضع معايير تحديد الفئات المستحقة للسكن المدعوم من الدولة، والذي ترجمته فكرة إنشاء مشروع الإسكان الاجتماعي في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، ومعه تزايدت أعداد سكان المدن الجديدة والإقبال على شراء وحدات سكنية بها، حيث نفذت مشروعات الإسكان بها بحيث تهدف إلى خلق مجتمعات متكاملة، ربما كانت المطالبة بها حاضرة أيضا في دراسة هامة حملت عنوان “العشوائيات الآمنة” صدرت عام 2012، تحدثت عن حماية حقوق السكان في الحيازة، وسبل تطوير المناطق الأثرية والتراثية وتحويلها إلى متاحف مكشوفة وقيد غير المسجلة منها، وتقديم تصورات فلسفية لنشر ثقافة التسامح ونبذ العنف بين سكان المناطق الفقيرة وغير المخططة بالقاهرة، وحرصت الدراسة؛ على تقديم مقترحات لمراعاة ضوابط تنفيذ أي رؤية مستقبلية بشأن سكان العاصمة ومناطقها المستهدفة بالتطوير أو التنمية أو الإزالة.
تظل البحوث العلمية والدراسات الميدانية سندا هاما لكل رؤية هندسية تستهدف ملء الفراغ بالجمال، ومن هنا؛ نجد متخذي القرار بحاجة دائما لمطالعتها والأخذ بما أتاحته من نتائج وتوصيات، تتكامل معها زوايا رؤية الصورة وظلالها، وقد استوفت التاريخية والاجتماعية والاقتصادية من هذه الدراسات اعتمادها على أيدي علماء مصر الكبار، ولا مبرر يجعل مسؤولا يتجاهلها مادام يبحث عن مصلحة بلد ويدعم حق أهلها في العيش الكريم.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع