محمد بلال يكتب: “السادة الأفاضل” … حين يتحول الحواوشي إلى فلسفة والمومياء إلى خيال مآتة
فشلت العديد من الأعمال السينمائية العربية في إشباع شغفي بفن السينما وأساليب الحكي والابداع البصري ودفعتني للسينما العالمية لأجد غايتي بين نجوم هوليود وتقنيات الكتابة الجريئة واساليب الاخراء العبقرية، لاتفاعل مع عوالم إبداعية ثرية، لاجد نفسي مقصر في متابعة الاعمال العربية، ولكن توليفة “السادة الأفاضل” غيرت بقوة قواعد اللعبة.
مشاهد خفيفة من الكوميديا المكثفة لنجوم أغلبهم من الشباب ولمحة سوداء في الأحداث ظهرت أمامي في مقاطع قصيرة على الفيسبوك لفيلم السادة الافاضل دفعتي للبحث عن الفيلم ومشاهدته لاكتشف عوالم تدفعني لمتابعة نجوم شباب يتقمصون أدوار من القرية المصري بعبقرية فلسفية.
لم أعتد في الفترة الأخيرة الاهتمام بعمل فني لنجوم جدد، إلا أن الفيلم من لقطاته الأولى مع طه دسوقي غيرت تلك العادة لأرى عبقرية كاملة لازمت كل من شارك بالعمل.
الفيلم يبدو للوهلة الأولى أنه يصور رحلة درامية ساخرة داخل عائلة مصرية عادية تجد نفسها فجأة أمام اختبار الحياة، ولكنه في داخله يكشف العديد من آلام المجتمع والفقر وأيضا افاته من خلال مهنة صاحي محل الحواشي لكبير الاسرة بيومي فؤاد او ابو الفضل الليالكل كان شايف رجل فاضل ومحترم والاسرة ثالية وهو رجل عصامي، لنكتشف أنهم عائلة عملت كل حاجه غلط بتتعمل في الحياة، نفس فكرة الحواوشي انك بتاكل حاجه كلها توابل متعرفش مصنوعة من اية ودا ملخص حياة عيلة ابو الفضل.
السادة الأفاضل ليس فيلمًا عاديًا يبحث عن الضحكة السطحية أو تفريغ شحّ المشاهد بكوميديا „حواوشي“ فحسب. هنا الكوميديا أداة سردية وليست هدفًا في حد ذاتها.
الفكرة الأساسية للفيلم: قصة عائلة بسيطة من الريف المصري تجد نفسها أمام تجارب قاسية في الحياة اليومية، وتكشف طبقات من الألم الاجتماعي، الفقر، والآفات المجتمعية — تتلبّس هذه الدراما تركيبًا كوميديًا طريفًا تجعل الضحك يتسبّب في ترسيخ المعنى بدل تشتيته.
على عكس معظم الأعمال التي تُحوِّل الكوميديا إلى “أفيهات بدون معنى”، هنا نرى توازنًا بين الكوميديا والقصة والمنطق، حتى لو بدا واضحًا أن الضحك هو القُبلة الأولى لكل مشهد، لكنه لا يهدر الرسالة.
** الرمزية والمجاز: الحواوشي كمجاز للحياة**
الفيلم يستخدم الحواوشي — ذلك الطبق الشعبي المليء بالتوابل والمكونات غير المعلومة المصدر — كرمز للحياة ذاتها:
“أحيانًا ناكلها من غير ما نعرف مكوّناتها”
هذه الرمزية الذكية هي ما يميّز العمل، إذ تتحوّل الحياة عند أبو الفضل وعائلته إلى “طبق فوضوي”، مليء بالتناقضات، الخيبات، والمغامرات الغريبة الطريفة.
الفيلم عرض العديد من النماذج المجتمعية الخاصة منها، الحواشي والدكتور الابن الذي جذبته حياة العاصمة القاهرة وأطاليا تاجر المخدرات والآثار، والمبروك الذي تحول لبطل اسطوري وهزم الجميع، وبموت وسجن أفراد العائلة “هيورث كل حاجه في الأخر لأنه ابن أبو الفضل من جوازة في السر وهو الوحيد اللي مطمعش في الدنيا” والمومياء الفرعونية الاي لعبت دور المحرك للاحداث وتحولت لخيال مأته في النهاية، والدبدوبة اللعبة والشاب الضائع طه دسوقي.
الفيلم رمز للحضارة الفرعونة بكل تاريخها ‘حضارة السبع تلاف سنه” تحولت إلى “خيال مآته” بسبب سيطرة رأس المال وغياب “الكل حاجه”
** الأدوار والأداءات: نصوص تفوق التوقع**
طه دسوقي
منذ الوهلة الأولى، يُثبت نفسه كثقل فني يستحق المتابعة، ليس كمجرد وجه جديد، بل كممثل متكامل ذكي يبني شخصيته بحضور واقعي.
قدرته على المزج بين الكوميديا والدراما في آن واحد تجعل حضوره عنصر جذب أساسي في الفيلم.
أشرف عبد الباقي
لا يحتاج إلى تعريف، لكن حضوره هنا يضيف طعمًا متفردًا. واحدة من أقوى لحظاته هي عندما يرد على أحمد السعدني بقوله:
“يلا مش عايزين مرسيدس هنا”
هذه اللحظة ليست مجرد نكتة؛ بل قراءة ساخرة للطبقية والمظاهر.
دور دنيا (بالعكازات)
هو، ببساطة، من الأدوار التي تكشف عن ممثلة لديها حس كوميدي عميق وطاقة درامية واضحة. ظهورها في الفيلم ليس زخرفًا، بل رزمة حضور مكتمل يُشكّل رغبة مستقبلية في مشاهد قادمة.
**القرية كمسرح للحكاية***
العمل لا يتعامل مع القرية كمجرد موقع تصوير، بل يقلب لهجة أهل المكان إلى أداة سرد. اللهجة المحلية في الفيلم تعمل كـ«لغة بديلة» تبني الشخصية وعالمها، مما يُقرب الصورة إلى ذهن المشاهد ويمنحه إحساسًا بالـ واقعية المركّبة — وهي تقنية نادرة في كثير من الإنتاجات المطبوعة على القالب السردي التقليدي.
** البنية الدرامية: قصة موحدة + قصص فرعية**
من أكثر نقاط قوة الفيلم أنه لا يقف عند نقطة واحدة. هناك عدة خطوط قصصية مستقلة أيضًا:
قصة الثلاث شباب الذين يخططون لسرقة البوسطة
قصة الحواوشي والاختبار الاجتماعي
قصة “المبروك” البطل الأسطوري الزاهد في المال
كل واحدة منها يمكن أن تكون فيلمًا مستقلًا، لكن الجمع بينها في نسيج واحد صنع نسيجًا متماسكًا وممتعًا.
** خيال مآته.. المومياء والحضارة الفرعونية**
الفيلم يصنع رمزية قوية عن الحضارة الفرعونية، التي تمسكنا بها كماضي، لكنها تتحول في النهاية إلى “خيال مأته” بسبب هيمنة المال، المظاهر، والسطحية.
هذا يضع الفيلم في مساحة أوسع من مجرد كوميديا ريفية، بل كقراءة فلسفية نقدية للمجتمع الحديث الذي يغلب فيه الرغبة على الجوهر.
** بين الضحك والفكر**
«السادة الأفاضل» ليس مجرد فيلم ترفيهي. هو عمل يزج بين الفكاهة والرسالة الصادقة؛ يبرز:
قوة النص
ذكاء الأداء
التوازن بين الضحك والمعنى
جرأة في استخدام الرموز (الحواوشي – المومياء – البطل الأسطوري)
هو واحد من تلك الأعمال التي تجعلنا نعيد النظر في السينما العربية الجديدة، ليس بالدعاء فقط، بل بالاعتراف الحقيقي بوجود طاقات شابة تُحدث فرقًا في المشهد الفني.

شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع