الأحد , 18 يناير , 2026
أخبار عاجلة

الدكتورة إيمان عبدالعظيم تكتب: العنف الجنسي كسلاح حرب في الكونغو الديمقراطية

دراسة بين الإفلات من العقاب والاقتصاد السياسي للصراع

أصبح العنف الجنسي محل اهتمام دولي متزايد منذ تسعينيات القرن العشرين، خاصة بعد الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، حين تم إقراره لأول مرة بأنه جريمة حرب وليس مجرد “غنيمة”. وفي عام 2001 اعتبرته المحكمة الجنائية الدولية جريمة ضد الإنسانية، ثم أكد قرار مجلس الأمن رقم 1820 لعام 2008 استخدامه كسلاح حرب. ورغم هذا التطور القانوني، يظل العنف الجنسي أقل جرائم الحرب إدانة تاريخيًا، وهو ما يتجلى بوضوح في حالة جمهورية الكونغو الديمقراطية (DRC)، التي تُوصف بأنها من أسوأ الأماكن عالميًا للنساء بسبب الانتشار الواسع للعنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي.

 

دراسة كتبتها إيمان عبدالعظيم في 2020 ونشرت في مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية

وتتناول الدراسة التي قمت عليها ونشرها مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية عام 2020 ، العنف الجنسي في الكونغو الديمقراطية بوصفه أداة ممنهجة للحرب، لا مجرد نتيجة جانبية للصراع. تاريخيًا، لم يُنظر إلى العنف الجنسي كاستراتيجية مستقلة، بل كأثر للحروب، حيث كانت النساء تعد غنائم منذ العصور القديمة، واستمر هذا التصور خلال الحروب العالمية وحروب القرن العشرين. غير أن التسعينيات شهدت تحولًا نوعيًا بفضل جهود الحركات النسوية والمحاكم الدولية، التي أقرت بأن العنف الجنسي يمكن استخدامه للتعذيب، والتطهير الإثني، والإبادة الجماعية، وتحطيم المجتمعات من الداخل.
في الكونغو الديمقراطية، يمتد تاريخ العنف الجنسي إلى ما قبل الاستعمار، حيث ارتبط ببناء الإمبراطوريات المحلية وخطف النساء خلال الغارات. وخلال الاستعمار البلجيكي، تم استخدام العنف الجنسي كأداة للسيطرة الاجتماعية والاستغلال الاقتصادي، خاصة في نظام العمل القسري المرتبط بتجارة المطاط والعاج. وبعد الاستقلال، واصلت الأنظمة السياسية والجماعات المسلحة استخدام العنف الجنسي لإخضاع المعارضة والتمردات المسلحة. وقد ساهمت الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 في تسريع انتقال الصراع إلى شرق الكونغو، مع تدفق اللاجئين والمقاتلين، وانتقال العنف الإثني واستخدام الاغتصاب كسلاح حرب.
أصبح العنف الجنسي في DRC سلاحًا استراتيجيًا فعالًا، يُستخدم لترهيب السكان المدنيين، وتفكيك المجتمعات، وإضعاف الخصوم، والسيطرة على الأراضي الغنية بالموارد. تُمارس هذه الجرائم بشكل علني ومنهجي، وغالبًا أمام أفراد الأسرة، بهدف الإذلال وكسر الروابط الاجتماعية. ولا يقتصر الضحايا على النساء، بل يشمل الفتيات والأطفال، باعتبارهم أهدافًا سهلة. كما تلعب المعتقدات والخرافات المحلية دورًا في تبرير العنف، مثل الاعتقاد بامتلاك النساء المسنات قوى سحرية يمكن تحييدها بالاغتصاب.
مع مرور الوقت، انتقل العنف الجنسي من كونه ممارسة مرتبطة بالصراع إلى ظاهرة مُطبَّعة اجتماعيًا. فبينما كان الجنود والمتمردون هم الجناة الرئيسيون في البداية، ارتفعت نسبة المدنيين المتورطين بشكل ملحوظ. وتشير الإحصاءات إلى تعرض نحو 400 ألف امرأة سنويًا للعنف الجنسي، بمعدل يقارب أربع نساء كل خمس دقائق. ويعكس هذا الانتشار فشل الدولة في بسط سيطرتها، وتحول العنف الجنسي إلى جزء من الحياة اليومية في بعض المناطق، حتى في غياب الصراع المباشر.
تفسر الدراسة ضعف الإدانة الدولية للعنف الجنسي في الكونغو عبر ثلاثة مستويات تحليلية. على المستوى الكلي، يرتبط الأمر بالاقتصاد السياسي العالمي للحرب، حيث تتنافس شركات متعددة الجنسيات على نهب الموارد المعدنية النادرة مثل الكولتان والذهب. تستخدم الجماعات المسلحة العنف الجنسي لتهجير السكان والسيطرة على المناجم، بينما تستفيد الشركات والأسواق العالمية من استمرار الفوضى، ما يخلق تواطؤًا غير مباشر يقلل من فرص الإدانة والمحاسبة.
على المستوى المتوسط، يلعب النوع الاجتماعي دورًا محوريًا. فالنظم الأبوية وعدم المساواة بين الجنسين تجعل النساء الفئة الأضعف، والهدف “المثالي” للعنف. كما يُستخدم الاغتصاب كرسالة موجهة للرجال لإثبات عجزهم عن حماية أسرهم، ما يجعله سلاحًا فعالًا لضرب الهويات الذكورية وتفكيك البنية الاجتماعية. ورغم وجود تشريعات تحظر العنف الجنسي، فإن الفساد، والتكاليف، والخوف من الوصم الاجتماعي تؤدي إلى إفلات معظم الجناة من العقاب.
أما على المستوى الجزئي، فتُسهم الذكورة المهيمنة، خاصة داخل المؤسسات العسكرية، في تطبيع العنف. يُعاد إنتاج العنف الجنسي كوسيلة لاستعادة الهيمنة والقوة في سياق الفقر، وضعف التعليم، وانعدام البدائل الاقتصادية للجنود والمقاتلين.
تخلص الدراسة، إلى أن العنف الجنسي في الكونغو ليس حتميًا ولا قدرًا ملازمًا للحرب، بل نتيجة تفاعلات معقدة بين العولمة، والاقتصاد السياسي، والنوع الاجتماعي، والثقافة العسكرية. وتؤكد أن إنهاء الإفلات من العقاب، ومحاسبة الشركات المتورطة، وإعادة صياغة الثقافة العسكرية، وتعزيز العدالة بين الجنسين، تمثل شروطًا أساسية لبناء مستقبل خالٍ من العنف الجنسي.

*مدرس بكلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة