الجمعة , 17 يوليو , 2026
أخبار عاجلة

حالات اللون.. بين الأصل الجرافيكي وتحولات المعنى عند الفنان الدكتور أكرم صلاح الدين

حكيم جماعين

 

في المشهد المعاصر لفنون الحفر والطباعة، تبرز تجربة الحفار الفنان أكرم صلاح الدين على قاعة العرض الرئيسية بكلية الفنون الجميلة بالأقصر،

بوصفها مشروعاً بصرياً وفلسفياً يتجاوز الفهم التقليدي لفن الطبعة الفنية، ويعيد مساءلة العلاقة بين الأصل والنسخة، والثابت والمتحول، والخط واللون.

 

الحفر على الخشب والطباعة

 

 

فمن خلال اشتغاله على الحفر على الخشب والطباعة من السطح البارز، لا ينظر أكرم صلاح الدين إلى القالب الخشبي باعتباره أداة تقنية لإنتاج صور متكررة، بل يراه مصدراً لا نهائياً لإمكانات تشكيلية ومعرفية تتجدد مع كل طبعة جديدة، ومع كل تدخل لوني يعيد بناء الصورة ويكشف وجهاً آخر من وجوهها الكامنة.

 

تكتسب هذه الرؤية خصوصيتها من المسار الثقافي والجمالي الذي تشكلت عبره خبرة الفنان ووعيه البصري.

 

 

الأقصر و الذائقة الفنية

 

فقد نشأت ذائقته الفنية في مدينة الأقصر؛ تلك الأرض التي لا تمثل مجرد فضاء جغرافي أو إرثاً أثرياً عظيماً، بل تعد واحدة من أقدم مدارس الرؤية البصرية في التاريخ الإنساني. في الأقصر، حيث تروي جدران المعابد والمقابر حكاية الإنسان الأولى مع الصورة واللون والخط، تفتحت عين الفنان على أسرار التكوين والإيقاع والعلاقة العميقة بين الرسم والنقش والتلوين.

 

هناك، في أرض الأجداد، حيث احتفظت الجداريات المصرية القديمة بوهجها عبر آلاف السنين، تشكل إدراكه المبكر لقيمة الخط بوصفه لغة بصرية مستقلة، ولللون بوصفه طاقة رمزية وروحية تتجاوز حدود الزخرفة والتجميل.

 

الإرث الحضاري العريق

 

ولعل هذا الإرث الحضاري العريق ينعكس بوضوح في مشروعه الفني الذي يتجلى في معرض «حالات اللون – عرض مستمر»، حيث تتحول الطبعة الفنية إلى حقل مفتوح للتجريب البصري والتأمل الفلسفي.

 

فالعمل الواحد لا يستقر عند صورة نهائية مغلقة، وإنما يظل قابلاً للتحول عبر إعادة التلوين المستمرة للكليشة نفسها، بما يجعل كل طبعة حدثاً بصرياً جديداً يمتلك استقلاله التعبيري، رغم انتمائه إلى أصل جرافيكي واحد.

 

 

الخطوط و التباينات الحادة

 

تنبع أهمية هذه التجربة من إدراك الفنان للطاقة الكامنة داخل بنية الحفر على الخشب نفسها.

فالخطوط المحفورة، والتباينات الحادة بين الكتل والمساحات، والعلاقات الإيقاعية الناتجة عن فعل الحفر، تؤسس جميعها لغة بصرية قائمة بذاتها.

 

ومن هنا يأتي اللون لاحقاً لا بوصفه عنصراً مكملاً أو قيمة تزيينية، وإنما بوصفه ممارسة فكرية وجمالية تعيد اختبار إمكانات الصورة وتفتحها على مستويات جديدة من القراءة.

 

نقاء الأبيض والأسود

 

في جانب من هذه الأعمال، يختار اكرم الإبقاء على نقاء الأبيض والأسود، مستثمراً ما تحمله هذه الثنائية من تقشف بصري وقوة تعبيرية. فالأسود هنا ليس مجرد لون طباعي، بل هو أصل الصورة وذاكرتها البنائية، وهو الحامل الأساسي لجوهر التكوين ولإيقاع الخطوط والحركات الداخلية.

 

أما الأبيض، فيعمل كفضاء للصمت البصري، ومساحة للتأمل، وعنصر فاعل في بناء المعنى لا يقل أهمية عن الكتلة السوداء نفسها.

 

وفي هذه الحالة، تستحضر الأعمال تقاليد الحفر الكلاسيكي بكل ما تنطوي عليه من صرامة ووضوح واختزال.

 

 

اللون و البنية الجرافيكية

 

لكن الفنان لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ ينتقل إلى مرحلة أخرى أكثر انفتاحاً وتعقيداً، حيث يعيد إدخال اللون إلى البنية الجرافيكية ذاتها.

هنا يبدأ التحول الحقيقي في التجربة، إذ تصبح الطبعة الواحدة قابلة لإنتاج عوالم شعورية متعددة. فالأحمر يوقظ التوتر والدراما، والأزرق يفتح فضاءات التأمل والهدوء، والأصفر يستدعي طاقة الضوء والحركة، بينما تمنح التركيبات اللونية المركبة العمل مستويات متراكبة من الدلالة والانفعال.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى اللون بوصفه قيمة تشكيلية منفصلة عن بنية الحفر، بل باعتباره شريكاً في إنتاج المعنى.

إنه لا يغطي الخطوط أو يهيمن عليها، بل يدخل معها في علاقة حوارية معقدة، تجعل الصورة في حالة تفاوض دائم بين ما هو ثابت وما هو متحول. ومن خلال هذا الحوار، تتحول إعادة التلوين إلى فعل فلسفي يعيد طرح سؤال الهوية البصرية للعمل الفني: هل تكمن هوية العمل في الكليشة الأصلية أم في التحولات اللونية التي تطرأ عليها؟ وهل يمكن اعتبار كل معالجة لونية عملاً مستقلاً، أم أنها مجرد احتمال من احتمالات الأصل؟

 

النسخ و التكرار وإعادة الإنتاج

 

 

تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في زمن أصبحت فيه مفاهيم النسخ والتكرار وإعادة الإنتاج جزءاً من الخطاب الفني المعاصر. غير أن اكرم صلاح الدين المشغول بالحفر وتقنياته، وصرامة قوانينه يقدم إجابة مختلفة؛ فهو لا يسعى إلى إنتاج نسخ متعددة بالمعنى الميكانيكي، وإنما إلى الكشف عن تعددية كامنة داخل الصورة نفسها.

إن الكليشة الواحدة تتحول في يديه إلى منصة لإنتاج رؤى متعددة، بحيث يصبح الاختلاف اللوني أداة للكشف لا للتزيين، ووسيلة لإعادة بناء التجربة البصرية في كل مرة.

 

من هنا تتجلى فلسفة «حالات اللون» بوصفها فلسفة التحول المستمر. فاللون ليس مرحلة نهائية في بناء العمل، بل هو حالة متغيرة لا تعرف الاستقرار.

وكل طبعة جديدة تمثل إعادة اكتشاف للصورة وإعادة تعريف لعلاقتها بالمتلقي. وهكذا يصبح المعرض بأكمله بمثابة أرشيف بصري مفتوح يرصد التحولات الممكنة داخل العمل الواحد، ويؤكد أن المعنى الفني ليس حقيقة ثابتة، بل عملية مستمرة من التشكل والتجدد.

 

قيمة التجربة

 

 

إن القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في قدرتها على الجمع بين عمق التقنية وأفق الفكرة؛ بين إرث الحفر على الخشب بوصفه أحد أعرق فنون الطباعة، وبين رؤية معاصرة تنظر إلى اللون باعتباره فعلاً معرفياً وجمالياً.

 

كما تكمن فرادتها في ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين ذاكرة الأقصر، بما تحمله من أسرار اللون والخط في الحضارة المصرية القديمة، وبين أسئلة الفن المعاصر حول التحول والاختلاف وإعادة إنتاج المعنى.

بهذا المعنى، لا يقدم معرض «حالات اللون – عرض مستمر» مجموعة من الطبعات الفنية فحسب، بل يطرح مشروعاً بصرياً متكاملاً يدعو المتلقي إلى تأمل طبيعة الصورة ذاتها، وإلى اكتشاف كيف يمكن للأصل الواحد أن يولد عوالم متعددة، وكيف يستطيع اللون أن يتحول من عنصر تشكيلي إلى مفهوم فلسفي يفتح العمل الفني على احتمالات لا تنتهي من الرؤية والتأويل.

 

*الكاتب فنان وناقد تشكيلي