الثلاثاء , 7 أبريل , 2026
أخبار عاجلة

الهارب من بني حسن.. حكيم جماعين يرصد ملامح حسن غانم ومعرضه في ضي الزمالك

على جدران قاعات جاليري ضي الزمالك، يقدم لنا حسن غانم تجربة ثرية يبدو فيها كمن يهرب من الزمن بقدر ما يهرب من المكان.

هروبٌ رمزي من مقابر بني حسن، لا بوصفها موقعا أثريا فحسب، بل باعتبارها ذاكرةً مثقلةً باسئلة الجمال والإبداع.

حيث لا يتعامل الفنان مع التاريخ كمرجع بصري فقط، بل كذاكرة مفتوحة في الوعي، كطبقةٍ سحيقةٍ من الذاكرة التي ما زالت تتنفس تحت جلد الحاضر.

ما يمثله الخشب عند غانم في هذه التجربة ليس مجرد سطحٍ للحفر، بل جسدٌ حيّ. كل ضربة أزميل عليه تبدو كأنها نبضٌ يُستخرج من عمق المادة.

إن الحفر هنا ليس تقنيةً بالمعنى الرمزي بقدر ما هو فعلُ كشف؛ كشفٌ لما تختبئ به المادة من ذاكرة، وما يختبئ به الفنان من قلقٍ وجودي.

 

 

كأن اللوح الخشبي يتحول إلى أرضٍ أثريةٍ صغيرة، يفتش فيها الفنان عن بقايا ذاته كما يفتش عالم آثار عن شظايا حضارة وكما يغرز الفلاح شتلته وينتظر المحصول.
أما الحفر فليس اعتداءً على السطح، بل لغةٌ أخرى للكتابة كتابةٌ بلا حروف، حيث تتحول الخطوط إلى آثار تتمثل من خلالها المعاني، وإلى مساراتٍ للروح وهي تتلمس طريقها في العتمة. الحفر هنا يشبه محاولة الضوء أن يشق طريقه داخل الليل؛ أثرٌ رفيع لكنه كاشف.

 

أعمال حسن غانم في جاليري ضي الزمالك 

ويأتي حضور اللون الأسود متناغما أحيانا مع درجات من الألوان الاخرى بوصفه بطلًا صامتا في هذه التجربة الجرافيكية. الأسود ليس غيابا للضوء، بل كثافةٌ للمعنى. هو ليلٌ تتكاثر فيه الطبقات، وظلٌّ يسمح للأشكال أن تولد من العتمة كما تولد الأساطير من الغموض.

في هذه المساحات الداكنة يترك حسن غانم العين أن تتعلم الإصغاء، وللشكل أن يظهر ببطءٍ كذكرى تستعيد ملامحها.

إن التجربة الجرافيكية في هذا المعرض لا تسعى إلى تمثيل العالم، بل إلى تفكيك حضوره. الخطوط المحفورة، والخدوش المتقاطعة، وتوتر الأبيض والأسود، كلها تشكل بنيةً بصريةً أقرب إلى خريطةٍ للوعي. وكأن غانم يكتب سيرته الداخلية لا بالحبر، بل بالأثر.

 

افتتاح معرض حسن غانم في جاليري ضي الزمالك

في هذا السياق، يتحول العمل الفني إلى مفارقة زمنية: فهو حديثٌ في لغته التشكيلية، لكنه مشدودٌ إلى عمقٍ حضاريٍ سحيق. كأن روح المقابر القديمة لا تظهر في الرسومات على الجدران أو الرموز المحفورة، بل في الإحساس بالدوام.

ويمكن النظر إلى هذه الاعمال كفعلٍ اجتماعي أيضًا. فالفنان لا يعمل في فراغ، بل داخل سياق ثقافي وتاريخي يحدد لغته البصرية. من خلال العودة إلى رمزية المقابر القديمة، والأشكال والقصص، والاساطير واستعمال الخشب والحفر والخدش، يبدو الفنان كمن يحاور البنية العميقة لثقافتة ، محاولًا إعادة قراءة علاقتها بالزمن والذاكرة.
وفي ذلك الصمت الثقيل الذي يرافق الخطوط المحفورة.

هكذا يصبح المعرض مساحةً للتأمل في العلاقة بين المادة والذاكرة. الخشب يحمل ذاكرة الشجرة، والفنان يضيف إليها ذاكرته الخاصة، بينما الأسود يحفظ سرّ اللحظة. وبين هذه الطبقات الثلاث —المادة، الأثر، والظل— يتشكل عالمٌ بصريٌّ شديد التقشف، لكنه غنيٌّ بالمعنى.

إنها تجربة لا تُرى فقط، بل تُقرأ كما تُقرأ قصيدة؛ قصيدة مكتوبة بأزاميل الحفر، وبصبر الزمن، وبقلق إنسانٍ يحاول أن يترك أثره قبل أن يعود إلى صمت الأرض.

* الكاتب ناقد فني وفنان تشكيلي