كتب خالد علي المحامي عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك منشورا مطولا تحت عنوان “رسالة إلى أحمد دومة” جاء فيه:

رسالة خالد علي المحامي إلى أحمد دومة
دومة…لا أعرف الآن إلى أي سجنٍ اقتادوك، ولا أعرف ما حدث منذ خروجك من النيابة مع الترحيلة، لكن سنعرف كل التفاصيل لاحقًا.
اعلم أن القرار لم يكن مفاجئًا لك، كأننا جميعًا كنا نسير نحوه بخطى بطيئة، نراه من بعيد، ونتظاهر بأننا لا نراه.
وأنت من الوجوه التي اعتادت قراءة الإشارات قبل أن تُنطق القرارات، حتى كل التفاصيل الصغيرة كانت تشير إليه:
التحقيق السادس خلال عامٍ وخمسة أشهر لم يكن مجرد رقم، بل كان جرسًا يتكرر، نغمةً ثقيلة تطاردك.
موعد التحقيق الذي تزامن مع ذكرى تأسيس حركة شباب ٦ أبريل،
الشارع أمام المحكمة وقد امتلأ برجال الأمن من كل المستويات بملابس عسكرية ومدنية، وعربات الشرطة حولت المكان إلى ما يشبه ثكنة عسكرية.
وعندما تحركت معي للدخول إلى مقر النيابة، كنت ترتدي قميصًا، وقبل الدخول قولت:
(آه نسيت.. هروح أجيب جاكت، محدش عارف القرار هيكون إيه).
التحقيق مع أحمد دومة
في ذات اليوم وقبل بدء التحقيق علمنا بقرارات إخلاء سبيل مهمة تعيد إلى الذاكرة مشهد القبض على إسماعيل الإسكندراني وحبسه بعد الإفراج عن علاء عبد الفتاح في توقيت متزامن.
التحقيق كان بسبب بلاغ مقدم من ١١ مواطنًا شريفًا بشأن بوست ومقال على موقع العربي الجديد، وهو محجوب من مصر.
التحريات التي فاضت بأكثر مما ذكره المبلِّغون،
والتحقيق الذي لم ينتهِ، والمحقق كتب:
(نكتفي بهذا القدر على أن يُستكمل التحقيق في جلسة تُحدد لاحقًا).
في تلك اللحظات، لم يكن الخوف هو الشعور الأوضح… كان الإحساس الأقرب هو اليقين المرّ، يقين يشبه معرفة الحكاية الكاملة قبل أن تُروى.
خرجنا من غرفة التحقيق لحين طباعة أوراقه، على أن نعود مرة أخرى للتوقيع عليه، ثم خرجنا من جديد في انتظار القرار.
قبل صدور القرار، تحدثتُ مع زملائي المحامين عن هذا الهاجس الذي كان يضغط على صدري كحجرٍ ثقيل، وكان نفس الهاجس يراودنا جميعًا.
لم تسمع حديثنا، لكنك، بوجهك الهادئ الذي لا يخلو من عنادٍ قديم، سألتنى مباشرة:
“تقديرك القرار هيكون إيه؟”
لم أعرف كيف أجمّل الحقيقة، فقلت لك إن احتمال الحبس قائم.
قرار بحبس أحمد دومة 4 أيام
ثم جاء الصوت…
صوت القرار، جافًا، مقتضبًا، أحد الضباط قال:
القرار أربعة أيام حبس، تعالى معايا يا أستاذ أحمد.
رغم توقعي، توقعنا جميعًا اشتعل الغضب داخلي، غضب لا يهدأ، ولا يتأقلم، غضب يجعل العجز أكثر وضوحًا، كمرآة تُريك ما لا تريد رؤيته.
غضب من دوامةٍ ظننا أننا خرجنا منها، فإذا بها تفتح فمها من جديد وتبتلعنا، بنفس التفاصيل القديمة، بنفس الألم والوحشة.
أكثر ما يؤلم في هذه الدوامة ليس السجن وحده،
بل فكرة أن حرية دومه أضحت مجرد استثناء، وكأن الأصل هو تقييده.
كثيرون لا يعلمون أن أحمد صدرت عليه أحكام وقرارات بالحبس، نفذ منها ١٣ عامًا، وحصل خلالها على ليسانس الحقوق، وتم منعه من القيد بالدراسات العليا، ومنذ صدور العفو عنه في أغسطس ٢٠٢٣، لم يذق الحرية كاملة.
حرية مبتورة…
ممنوع من السفر دون أن نعرف من أصدر القرار،
لا مكان يجرؤ على تشغيله،
كل خطوة في الشارع محسوبة،
كل زيارة للسينما مرصودة،
كل حرفٍ يكتبه يتحول إلى استدعاء،
وكأن الكلمات نفسها صارت تهمة.
أنا غاضب من أشياء كثيرة… غاضب من هذا الزمن الذي يعيد نفسه بلا خجل، غاضب من وطنٍ يضيق بأبنائه، غاضب من قانونٍ يتحول أحيانًا إلى بابٍ مغلق بدل أن يكون نافذة عدل.
لكن هناك شيء واحد لم أغضب منه اليوم…
هو أنت يا أحمد.
في كل جلسة تحقيق حضرتها معك، كنت أشعر بفخرٍ لا تُقاس مساحته بالكلمات.
كنت أراك ثابتًا، شجاعًا، ترد على الأسئلة بوضوحٍ لا يعرف الالتواء، تحمل حبًا صادقًا ومخلصًا للناس وللبلد، وإيمانًا عنيدًا بأن فضح الظلم واجب، حتى لو كان الثمن سمعتك أو حريتك، أو مستقبلك، أو حتى حياتك.
هناك نوع من البشر لا يتراجع، لا لأنه لا يخاف، بل لأنه يعرف أن الاستسلام للخوف لن يحقق نجاة المجتمع أو سلامته أو استقراره، ولابد من صوّت، يفضح الظلم وينتصر للحق والحقيقة.
البلد التي نعيش فيها، رغم كل ما فيها من قسوة، ما زالت تستحق أمثالك.
تستحق من يحبها حد الألم، تستحق من يدافع عنها حتى وهو مُطارد، تستحق من يقول “لا” حين يصبح الصمت خيار الذين يتصدرون المشهد.
ربما لا يرى كثيرون الآن قيمة ما تفعل، ربما اختلطت الصورة في عيونهم تحت ضجيج الإعلام، وربما يقفون ضدك دون أن يعرفوا الحكاية كاملة. لكن التاريخ، على مهلٍ، يعيد ترتيب الوقائع، ويضع كل شيء في مكانه الصحيح.
في يومٍ ما… لا أعرف متى، لكنني أعرف أنه سيأتي،
سيعرف الناس قيمة ما قدمته، وقيمة الطريق الذي اخترته رغم كلفته الباهظة.
إلى ذلك الحين،
سيظل الغضب يسكننا، ولا نملك مقاومته إلا بالأمل، وسيظل قلمك شاهدًا على زمنٍ حاول أن يكسرك بكل ما أُوتي من قوة
سلام يا صاحبي…
سلام حتى تعود الحرية كاملة، لا ناقصة، ولا مشروطة،
سلام حتى يتوقف الزمن عن الدوران في نفس الدائرة، وحتى يصبح الطريق إلى العدالة التى نرجوها ونستحقها مستقيمًا، لا ملتفًا حول الألم، ولا مستترًا خلف شهوة الانتقام.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع