الثلاثاء , 21 أبريل , 2026
أخبار عاجلة

جدلية أصول الإمام محمد عبده.. مصرية؟ أم كردية؟ أم تركمانية؟

أ. د محمود زايد

راجت في الفترة الأخيرة في أوساط وأروقة المثقفين الكرد مناقشات عديدة عن أسماء لامعة ورائدة في ترسيم دعائمَ وأركانٍ قامت عليها النهضة المصرية والفكرية في العصر الحديث، وأرجعت هذه المناقشات بعض هؤلاء الرموز إلى أصول كردية.

وهذا تأصيل له واقعه ووجوده في عدد من رواد النهضة العربية والمصرية، مثل: محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، وقاسم أمين، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والدكتور سَهير القلماوي، والمخرجان أحمد وعلي بدرخان، والفنانة سعاد حسني وغيرها الكثير.

لكن أحيانا ما يجرّ الحديث أسماءً هي في الأصل ليست كذلك. ومن هنا جاء التوضيح على بعض هذه الرموز، نبدأها بالإمام محمد عبده (1849 – 1905م).

أصول الإمام محمد عبده

لم يختلف اثنان عن كون الإمام محمد عبده رائد الإصلاح الفكري والتعليمي في مصر والعالم العربي، وأنه زعيم التجديد الإسلامي في العصر الحديث.

ونحن هنا لن نَصُبَّ كلامنا إلى كونه جهبذًا من جهابذة الفقه، أو مفسرًا من علماء التفسير، أو متكلمًا من علماء علم الكلام، أو أديبًا ارتقى الأدب العربي بأعماله، أو صحافيًّا مرموقًا، أو سياسيًّا محنكًا، أو عن مناصبه ومهامه التي تسنمها وأنهاها مفتيًا للديار المصرية – فكل هذه الأمور وغيرها قد تناولتها مئات الكتب والأعمال العلمية التي تعرضت لحياة الإمام وتراثه الخالد.

وإنما الحديث هنا عن مسألة أصوله؛ هل هي مصرية بالأساس؟ أم كردية؟ أم تركمانية؟ أم يعود إلى أصول أخرى؟ وإنْ كان ذلك لا يزيد ولا ينقص من شخصية ومكانة الإمام بين أهل الفكر وخاصته بقدر ما هو ترسيم للحقائق إبراز لها.

استقبال الإمام محمد عبده

وأيضاً تبيان لعبقرية الشخصية المصرية التي استقبلت عائلة الإمام (كما غيره) احتواءً، فمزجًا، فصهرًا، حتى أخرجت للإنسانية كلها (وليس لمصر فقط) هذا الجهبذ، وذلكم المجدد.

فأول من أشار إلى أصوله الكردية هو السيد محمد أمين زكي بك في كتابه “مشاهير الكرد وكردستان” بوضعه ضمن قائمة مشاهير الكرد، وقوله عنه: «هو ابن الشيخ خير الله الكردي»، دونما أن يذكر لنا دليلاً سوى ارتكانه إلى مقال لمحمد لطفي جمعة في العدد (121) لجريدة البلاغ الأسبوعي مؤرخ في 3 صفر 1348هـ،

ونقل عنه الدكتور محمد الصويركي هذه المعلومة في كتاباته عن كرد مصر، ثم تناقلت بعض الصحف والمجلات وعشرات المواقع الإلكترونية هذه المعلومة باعتبارها حقيقة مسلمة تفيد أن الشيخ محمد عبده من أصول كردية. ومن خلال ذلك جاءت المناقشات بين المثقفين الكرد.

قرية محلة نصر

وقد أثار انتباهي هذا الأمر بشدة، جعلني مستقصيًا له؛ فزرت قرية الإمام التي نشأ بها، وتسمى محلة نصر إحدى قرى مركز شبرا خيت بمحافظة البحيرة التي تبعد عن القاهرة نحو 150 كم، عساي ألتقي أحدَ أقاربه، أو حتى كبار السن فيها أحادثهم في هذا الأمر تيمنًا بما فعله عبد اللطيف البغدادي الذي زار القرية في العصر الأيوبي، وذكرها في كتابه الرحلة الكبرى، وقال إنه نزل فيها ضيفا على بيت خير الله التركماني، قاصدًا بيت جَدّ الإمام محمد عبده. لكن لم تسفر سفرتي تلك بنتيجة!!

ثم قابلت المفكر الدكتور محمد عمارة – رحمه الله (خير من كتب عن الإمام محمد عبده وتراثه)، وتحدثت معه في أصول الإمام الكردية، فأوضح ألا معلومات عنده بهذا الشأن.

الكتب عن أصول الإمام محمد عبده

وبدوري لحظت أن معظم الكتب التي تحدثت عن الإمام محمد عبده لم تتطرق إلى أصوله؛ وإنما فقط تتحدث عن المولد، النشأة، ومراحل حياته… إلخ. فاتجهت إلى الكتب التي تناولت تراجم الأعلام، وكان أهمها كتاب “الأعلام” للزركلي الذي ذكر أن أصول الإمام محمد عبده تركمانية.

يقول: «محمد بن عبده بن حسن خير الله التركماني»، دونما ذكر دليل أيضاً!! وعندما كتب مير بصري في كتابه “أعلام الكرد” عن الإمام محمد عبده ذكر الروايتين السابقتين لأمين زكي بك والزركلي دونما ترجيج!

وفي أثناء اطلاعي على مؤلفات الإمام محمد عبده نفسه وجدت كتابا له تحت عنوان: “الإمام محمد عبده سيرته وآراؤه بقلمه”. وفيه تحدث الإمام عن أصول عائلته، ذاكرًا روايتين في هذا المجال؛ واحدة تخص والده، والأخرى تخص والدته. وقد رجح صحة الأولى، وضعف ما جاء في الثانية.

بيت التركمان

يقول في الأولى: «كنت أسمع المازحين من أهل بلدتنا يلقبون بيتنا ببيت التركمان. فسألت والدي عن ذلك، فأخبرني أن نسبنا ينتهي إلى جدٍ تركماني جاء من بلاد التركمان في جماعة من أهله». ثم يذكر الإمام أن هذه العائلة التركمانية سكنت بدايةً في الخِيَام في مديرية البحيرة، ثم تطوّر بهم الحال إلى تأسيس وبناء قرية (محلة نصر) تلك. يقول الإمام: «اتفق أن اتصل لهم (أي لعائلته) شيخ يسمى عبد الملك لا يعرف نسبه، ولكنه كان معتقدًا له كرامات تنسب إليه، واتخذ له خلوة في المحل الذي أسست فيه قرية محلة نصر.

فلما توفى رأى جدنا – وقد كان من أهل بيت الشيخ – وبيت أخر يسمى بيت الفرنواني أن يبنوا له قبة، ثم يقيموا لهم بيوتًا من البناء حول القبة ويسكنوها، ثم انضمت إليهم بيوت كثيرة تكون في مجموعها قرية محلة نصر، وذلك من زمن مديد لا يعرف ابتداؤه».

عربي قرشي

أما الرواية الأخرى فهي عن أصول والدة الإمام؛ يقول إنه سمع: «أنه عربي قرشي، وأنه يتصل في النسب بعمر بن الخطاب رضي الله عنه». غير أن الإمام نفسه لم يقطع بصحة هذه الأنساب عموما،

وقال إنها روايات متوارثة لا يمكن إقامة الدليل عليها، وأنه اعتمد في ذكرها على روايات الأهل والأقارب. وازدادت نسبة شكوك الإمام في نسب والدته إلى سيدنا عمر بن الخطاب عن نسب والده إلى جماعة التركمان؛ ففيما يخص أصول والدته يقول: «قد يكون لها طريق إلى الصحة، وقد تكون مما يخترعه الناس للتزايد في الفضل… وهذا لا يحدث في الانتساب إلى جنسيات وقوميات أخرى».

أما ما يختص بانتساب عائلة والده إلى التركمان يقول: «يترجح عندي جانب صحة الخبر، ويؤيده ما يرى في أهل بيتنا من بعض الخصال التي لا يشاركهم فيها من يجاورهم في مساكنهم».

كلام جديد غير قطعي

إذن فإن هذا كلام جديد يفيد أن أصول الإمام محمد عبده ربما تعود إلى تركمان، لكنه غير قطعي؛ فهناك من غير التركمان كانوا يعيشون في بلاد التركمان كما هو معلوم في أوساط الشعوب الإسلامية في العصور الوسطى وفي العصر العثماني وما بعده.

لكن هل عدّ الإمام الأصول والأنساب مقياسا للتفاخر والتزايد في الفضل؟
كلا؛ فقد أرجعها إلى مقاييس مكتسباته الدينية التي استقاها من الدين الإسلامي الحنيف بالتقوى والعمل. يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (آية 13سورة الحجرات).

وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ائتوني بأعمالكم، ولا تأتوني بأنسابكم». ويقول الإمام محمد عبده في هذا الشأن:
«إن بعض من لا نسب لهم من الموالي والملصقين قد بلغوا منازل الكرامة بين المسلمين ما يغبطهم عليه أهل الأحساب.. وذلك بما أحرزوه من شجاعة ونجدة، أو علم وفضيلة».

التجديد والإصلاح والنهضة الفكرية

فهذا هو المقياس الذي سار عليه الإمام محمد عبده أيا كانت أصوله. وبعلمه وتراثه وفضله أصبح حاضرًا إذا ما تحدثنا عن مفاهيم التجديد والإصلاح، وإذا تحدثنا عن النهضة الفكرية والتعليمة. فهيهات هيهات أن يرتفع ذو نسب بنسبه إلى رتبة شريف.. وإنما بالأدب والخلق والعلم يُبتدئ الحسب، وإليهم في القرون المستقبلية يرجع النسب.

*الكاتب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر