د. نبيل فزيع
في عصرٍ أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومة لدى شريحة واسعة من المواطنين، تعاظمت المسؤولية الملقاة على عاتق رجال القانون الذين اختاروا مخاطبة الجمهور عبر هذه المنصات.
فالكلمة القانونية ليست رأياً عابراً، ولا اجتهاداً يمكن التساهل في آثاره، بل هي معلومة قد يترتب عليها اتخاذ قرارات مصيرية تمس الحقوق والحريات والمراكز القانونية للأفراد.
منصات التواصل الاجتماعي
غير أن المتابع للمحتوى القانوني المنشور على بعض المنصات يلحظ ظاهرة مقلقة تتمثل في تعمد بعض المنتسبين إلى المهن القانونية طرح معلومات غير دقيقة أو مجتزأة أو مبالغ فيها، بهدف إثارة الجدل وجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدات والتفاعلات.
فيتحول القانون من رسالة توعوية سامية إلى وسيلة للتسويق الشخصي، ويصبح المواطن ضحية لمحتوى يبحث عن الانتشار أكثر مما يبحث عن الحقيقة.
رجل القانون
إن أخطر ما في هذا السلوك أنه يستغل ثقة الجمهور في رجل القانون. فالمواطن العادي لا يمتلك في الغالب القدرة على التحقق من صحة النصوص القانونية أو تفسيرها، ولذلك يتعامل مع ما يُقال على أنه حقيقة ثابتة.
وعندما تُقدَّم له معلومة خاطئة بشأن حق من حقوقه أو التزام من التزاماته، فقد يبني عليها قرارات تضر بمصالحه أو توقعه في نزاعات كان يمكن تجنبها.
المعلومات القانونية
كما أن نشر المعلومات القانونية المضللة لا يسيء إلى الأفراد فحسب، بل ينعكس سلباً على هيبة القانون ذاته. فحين يكتشف المواطن تناقض التصريحات القانونية أو عدم صحتها، تتزعزع ثقته بالمؤسسات القانونية وبأصحاب الاختصاص، وينشأ لديه شعور بالارتباك والشك تجاه كل ما يتعلق بالقانون وإجراءاته.
الأمانة المهنية
إن الرسالة الحقيقية لرجل القانون لا تقاس بعدد المشاهدات ولا بحجم التفاعل، وإنما بمدى دقة المعلومة التي يقدمها وأثرها الإيجابي في نشر الوعي القانوني الصحيح. فالأمانة المهنية تقتضي تحري النصوص، والرجوع إلى المصادر الرسمية، وتوضيح الاستثناءات والقيود القانونية، بعيداً عن العناوين المثيرة والعبارات المضللة التي تُصاغ لاستقطاب الجمهور.
ولا خلاف على حق الجميع في استخدام وسائل الإعلام الحديثة للتثقيف والتوعية، بل إن ذلك أمر مطلوب. غير أن هذا الحق يجب أن يقترن بالمسؤولية المهنية والأخلاقية.
فالمعلومة القانونية أمانة، ومن يفرط في هذه الأمانة سعياً وراء الشهرة أو المكاسب الشخصية لا يسيء إلى نفسه فحسب، بل يسيء إلى رسالة القانون وإلى ثقة المجتمع بأصحابه.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من المحتوى القانوني المثير، بل إلى مزيد من المحتوى القانوني الصادق والدقيق. فالمواطن يستحق أن يتلقى المعرفة الصحيحة، ورجل القانون الحقيقي هو من يجعل الحقيقة غايته، لا المشاهدات وسيلته.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع