الجمعة , 23 أكتوبر , 2026
أخبار عاجلة

شريف الهركلي يكتب: «الحياة في زمن الإبادة» رواية تصرخ في وجه الواقع الفلسطيني وتكتب سيرة الإنسان الذي يرفض الهزيمة

ليست كل الروايات حكاياتٍ تُروى؛ فبعضها صرخةٌ في وجه الواقع، وتمردٌ على الصمت، ومحاولةٌ لإنقاذ ذاكرة الإنسان حين تحاصره الحرب.

 

هكذا تأتي رواية «الحياة في زمن الإبادة» للروائي إبراهيم خشان أبو سليمان، محمّلةً بوجع الأرض ومرارة النزوح، وكأن الحروف ضاقت بصاحبها، فتمرّدت على السطور لتصرخ في وجه واقعٍ فلسطينيّ يطحن الإنسان ويختبر قدرته على البقاء.

 

 

الحياة في زمن الإبادة

 

يفتح خشان نافذةً على حياة أسرة فلسطينية مزارعة، تترك بيتها وأرضها تحت القصف، وتتقاذفها محطات النزوح بين بيوت الأقارب ومراكز الإيواء والجنوب والمواصي.

 

تعود الأسرة كلما خُيّل إليها أن الخطر ابتعد، لتجد نفسها أمام حربٍ تتجدّد، وبيتٍ يتحوّل إلى ركام، وحلمٍ لا يموت رغم كل شيء.

هنا، لا يصبح ترميم المنزل بالصفيح ومخلّفات الدمار مجرد محاولة لبناء مأوى، بل فعل مقاومة إنسانية، وإعلانًا بأن الحياة لا تستأذن الحرب كي تستمر. وحتى «حسنة» وابنتها «رشا»، حمارتا الأسرة، تحضران بتفاصيلهما الريفية الدافئة، لتكتمل صورة عالمٍ فلسطينيّ لا تدمر الحرب جدرانه وحدها، بل تهدد ذاكرته وألفة أيامه.

 

إبراهيم خشان

 

ينحدر إبراهيم خشان من أسرة بدوية عاشت الترحال في صحراء النقب قبل النكبة، ووُلد في القرارة شمال خان يونس، ونشأ بين الحقول. عرف الاعتقال، وذاق ألم استشهاد ابنه، وعاش فصول الحرب وتحوّلاتها. لذلك، لا يكتب من وراء نافذة بعيدة، بل من قلب التجربة، مستندًا إلى ذاكرةٍ تعرف رائحة الأرض وثقل الفقد.

 

 

وقد التقيتُ هذه الروح الإنسانية في غرفة إدارة الجمعية الإنسانية التنموية، حيث تقود المهندسة ندى خشان العمل بإيمانٍ بأن هندسة الإنسان تسبق هندسة المكان. أما والدها، الأستاذ إبراهيم خشان، فهو الأب الروحي للجمعية، وخريج علم النفس الاجتماعي، الذي يجمع دفء الإنسان ووعي الكاتب وإحساسه العميق بآلام الناس.

إنها ملامح تضيء جانبًا من عالم روائيّ لا يرى النازح رقمًا، ولا البيت المهدّم حجارةً صامتة، بل يرى في كلٍّ منهما حكايةً تستحق أن تُروى، وكرامةً تستحق أن تُصان.

 

الحياة تحت القصف

 

وسبق لخشان أن أصدر كتاب «الحياة تحت القصف»، الذي تُرجم إلى الفرنسية والإيطالية، مواصلًا مشروعه في توثيق التجربة الفلسطينية بلغةٍ تنحاز للإنسان.

 

في روايته «الحياة في زمن الإبادة»، لا يكتفي إبراهيم خشان أبو سليمان بتسجيل مشاهد الحرب، بل يعيد تشكيل الواقع الفلسطيني بلغةٍ تتمرّد على الصمت، وتمنح التفاصيل اليومية البسيطة قوة الشهادة. فالبيت المهدّم، والخيمة، ومحاولات العودة، وحتى «حسنة» وابنتها «رشا»، ليست عناصر عابرة في السرد، بل مفاتيح لفهم علاقة الإنسان بأرضه وذاكرته وحقه في الحياة.

 

مأساة فلسطين

 

تتجاوز الرواية وصف المأساة إلى مساءلة واقعٍ يُجبر الفلسطيني على البدء من الصفر مرارًا، فيما يظل متمسكًا بجذوره. إنها كتابة تنبع من المعايشة، وتستمد صدقها من تحويل الألم الشخصي والجمعي إلى شهادة أدبية تقاوم النسيان.

إبراهيم خشان لا يكتب عن بيتٍ تهدّم فحسب؛ إنه يكتب عن وطنٍ يحاول النهوض من بين الركام. وحين تتمرّد الحروف وتصرخ الكلمات، فإنها تقول للعالم: قد تهدم الحرب بيوتنا، لكنها لن تنتزع منّا حقّ الحلم بالحياة والعودة.

 

*كاتب فلسطيني