حكيم جماعين يكتب: الفتاة ذات الفستان الدانتيل الأحمر
حكيم جماعين عن لوحة الفنان نادر هلال المعروضة بحاليري ضي الزمالك

تُعد لوحة الفتاة ذات الفستان الدانتيل الأحمر للفنان نادر هلال، والتي تعرض حاليا على قاعات ضي الزمالك، تجربة تشكيلية تنتمي إلى منطق الفن المعاصر الذي لا يكتفي بالتمثيل البصري، بل يسعى إلى مساءلة العلاقة بين الشكل والمضمون والخامة والدلالة.
فالعمل لا يقوم على الجمال الزخرفي وحده، بل يؤسس خطاباً بصرياً يتقاطع فيه التعبير النفسي مع الوعي المادي بسطح اللوحة.

حيث اعتمد الفنان في التكوين على مركزية الشخصية الأنثوية، وهو اختيار تقليدي ظاهرياً، لكن نادر هلال يُعيد إنتاجه هنا بمنطق معاصر من خلال تفكيك النعومة الكلاسيكية عبر توظيف سطح خشن يخلخل استقرار الصورة. فالفتاة لا تظهر كموضوع مثالي، بل ككيان إنساني، يحمل في داخله توترا يتجسد مادّياً في نسيج اللوحة ذاته.
الملمس الخشن لا يُعد عنصرًا تقنياً محايدا، بل يتحول إلى وسيط دلالي. إذ يشتغل السطح بوصفه حقلًا تعبيريا يكشف عن قلق الذات الأنثوية، وعن هشاشة العلاقة بين الجسد والمحيط. فالدانتيل بوصفه رمزًا للنعومة والأنوثة، يدخل في مفارقة مع قسوة المادة، مما ينتج خطابا بصريا قائما على التوتر لا الانسجام. هذه المفارقة تُعد من أهم سمات التشكيل المعاصر، حيث لا يُطلب من العمل أن يكون مريحا بصريا بقدر ما يُطلب منه أن يكون إشكاليا ومحفزا فكريا.
اللون الأحمر لون الرغبة والحياة
أما اللون الأحمر، فهو لا يُقرأ بوصفه لونا جماليا فقط، بل كعلامة ثقافية ونفسية في آن. إنه لون الرغبة، الحياة، والتهديد في الوقت ذاته. ومع الملمس الخشن، يفقد الأحمر طابعه الرومانسي ليكتسب طابعا دراميا كثيفا، يضع المتلقي أمام حضور أنثوي مشحون بالتناقض: بين الجذب والقلق، وبين القوة والانكسار.
على مستوى التعبير، تبدو ملامح الفتاة غير مكتملة الصقل، وكأن نادر هلال يتعمد تفكيك الصورة الواقعية لصالح صورة ذهنية. وهذا يتقاطع مع الاتجاهات المعاصرة التي ترى في التشويه الجزئي وسيلة لفضح العمق النفسي، لا إخفائه. فالوجه هنا ليس مرآة جمال، بل مساحة سؤال.
كما و يُحسب لهلال وعيه بالخامة كجزء من الخطاب، لا كخلفية محايدة. غير أن بعض مناطق الخشونة قد تُربك القراءة البصرية لو لم تُضبط ضمن إيقاع ملمسي متوازن. فالفن المعاصر لا يعني الفوضى، بل يعني إدارة واعية للتوتر بين العناصر.
خلاصة القول، إن لوحة الفتاة ذات الفستان الدانتيل الأحمر تنجح في تجاوز التمثيل الوصفي نحو بناء رؤية تشكيلية تحمل بعدا نفسيا وفلسفيا. إنها لا تعرض أنوثة جاهزة، بل تُعيد مساءلتها داخل سياق مادي خشن يعكس واقعا وجوديا معقدا. وبهذا، حيث يندرج العمل ضمن الفن المعاصر بوصفه فعل تفكير بصري، لا مجرد إنتاج صورة جميلة.
حيث ان هلال لا يُقدّم الفتاة بوصفها جسدا مرئيا فحسب، بل بوصفها سؤالًا مفتوحا عن معنى الوجود في عالمه.
فالسطح الخشن ليس تقنية، بل ذاكرة مادية لقلق الإنسان المعاصر وصراعه مع ذاته.
واللون الأحمر لا يصرخ جمالًا، بل يهمس بوجعٍ داخليٍّ لا يُرى إلا لمن يتأمل بعمق.
هنا يتحول الفن من متعة بصرية إلى تجربة فكرية تُربك الطمأنينة وتستدعي الوعي.
وبذلك تصبح اللوحة مرآةً لروحٍ تبحث عن انسجامها وسط عالم لا يمنح اليقين.
* ناقد وفنان تشكيلي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع