الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

أحمد نصر يكتب: حلول واقعية لكارثة الطلاق في مصر وتداعياتها

حلول واقعية لكارثة الطلاق في مصر وتداعياتها أهمها إقرار الرعاية المشتركة والحصول على رخصة قيادة الزواج والأسرة 

لم يعد الطلاق في مصر مجرد ورقة تُوقع في مكتب مأذون، أو لحظة انفعال عابرة تنتهي بكلمة “أنتِ طالق”. في مشهدنا المعاصر لعامي 2024 و2025، تجاوزت أرقام الانفصال حدود البيوت المغلقة لتصبح دوياً يتردد صداه في أروقة الاقتصاد، وساحات القضاء، ومستقبل الأجيال القادمة. لقد تحول الطلاق من “حق شرعي وقرار خاص” إلى تحدٍ وجودي يمس الأمن القومي والمجتمعي.
الزلزال الصامت: من الفرد إلى المجموع
عندما تشير الإحصائيات إلى وقوع حالة طلاق كل 115 ثانية، فنحن لا نتحدث عن أرقام جافة، بل عن “زلزال صامت” يضرب بنية المجتمع. إن انهيار أسرة واحدة يعني:
هزة اقتصادية: تفتت الموارد المالية لأسرتين بدلاً من واحدة، وزيادة الضغط على شبكات الأمان الاجتماعي والدعم الحكومي.
عبء قضائي: تكدس آلاف القضايا في محاكم الأسرة، مما يستنزف طاقة الدولة القانونية واللوجستية.
شرخ تربوي: تحول الأطفال من طاقة بناءة إلى “مشروعات أزمات” محتملة، نتيجة غياب الاستقرار النفسي.
2025.. قانونٌ يحرس المستقبل
لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي أمام هذا المد؛ فجاءت تعديلات قانون الأحوال الشخصية لعام 2025 لتعيد تعريف الصراع. لم يعد القانون يبحث “من المخطئ؟” بل أصبح يسأل “كيف نحمي الطفل؟”.
بجعل الأب في المرتبة الثانية للحضانة، وإقرار نظام “الاستضافة” بدلاً من الرؤية الباهتة، يتحول القانون من أداة للفصل بين الزوجين إلى درع يحمي حق الطفل في “والدين شريكين” حتى بعد الانفصال. إنها صياغة قانونية تدرك أن أمن المجتمع يبدأ من طفل سوي نفسياً، لا يشعر بأنه ضحية في معبد الخلافات.
الحلول الواقعية: خارطة طريق للنجاة
إن الحد من هذه الظاهرة في العام 2026 وما يليه يتطلب ما هو أكثر من التشريعات؛ يتطلب “ثورة وعي” تقوم على ركائز ثلاث:
رخصة القيادة الأسرية: مثلما لا نمنح رخصة قيادة لمن لا يجيد السير، لا يجب أن يتم الزواج دون تأهيل حقيقي (مبادرة مودة). يجب أن يدرك المقبلون على الزواج أن “إدارة الميزانية” و”فنون الحوار” أهم من “لون السجاد” و”قائمة المنقولات”.
نسب الانفصال: إذا كان الطلاق لا بد منه، فليكن “طلاقاً آمناً”. إن مبدأ “التسريح بإحسان” يجب أن يتحول من نص ديني إلى ثقافة مجتمعية ترفض جعل الأطفال وقوداً لحرب الحضانة والنفقة.
ترشيد الاستهلاك العاطفي والرقمي: في عصر “السوشيال ميديا”، نحتاج لاستعادة الواقعية. الزواج ليس فيلماً رومانسياً طويلاً، بل هو شركة تدار بالصبر والمشاركة، ومواجهة ضغوط الحياة الاقتصادية بكتفٍ صلبة لا بالهروب عند أول عقبة.
الخاتمة
إن استقرار الأسرة المصرية هو حائط الصد الأول ضد التفكك والجهل والجريمة. عندما نحمي “عقد الزواج” من التسرع، ونحمي “حقوق الأطفال” بعد الانفصال، فنحن لا نصلح شأناً عائلياً فحسب، بل نبني أمناً مجتمعياً مستداماً. الطلاق لم يعد قراراً يخص “هو وهي”، بل هو قرار يخص الوطن بأكمله.

*الكاتب محام بالنقض وخبير حقوقي