الخميس , 26 فبراير , 2026
أخبار عاجلة

الدكتور محمود زايد يكتب: رمضان في إندونيسيا

رمضان في إندونيسيا

إندونيسيا دولة أرخبيلية تقع في جنوب شرق آسيا بمساحة تبلغ نحو مليون و905 ألف كم2 متوزعين على 17 ألف جزيرة، وتوصف بأنها دولة واعدة تسعى بكل جِدّ للالتحاق بركب النمور الأسيوية؛ ولذا كانت ولا تزال محط أنظار سياسات المعسكرين الغربي والشرقي.
تتميز إندونيسيا بكونها أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، وأن شعبها من أكثر الشعوب الإسلامية اعتزازًا بعقيدته ومظاهره الدينية في إطار وسطي إلى حد كبير، مقدّرًا أهمية الاستقرار الأسري والتناغم المجتمعي بعيدًا عن مظاهر التعقيد والإثقال في المتطلبات المعيشية والزواج والطلاق، علمًا أنه سكانها وصلوا هذا العام إلى نحو 290 مليون نسمة، ويشكل المسلمون منهم نسبة الـ 95%.
ومظاهر رمضان في إندونيسيا ذات علامة مميزة في تاريخها الاجتماعي والديني، فمثل كل مسلمي العالم تتعلق أرواحهم بقدوم رمضان، فمع قرب حلوله يستعد الإندونيسيون بالتحضير لأنواع الأطعمة والحلويات والمشروبات الخاصة بهذا الشهر، وكذلك تنظيف البيوت وإعادة ترتيب أثاثها وتعليق الزينة بها، وكذلك تزيين الشوارع فرحًا بقدوم هذا الشهر، وتبلغ ذروة فرحهم بعد ظهور هلاله؛ إذ يخرجون إلى الشوارع يطوفون بأرجلهم وبسياراتهم وأصوات الجميع تهتف حتى السحور بالتكبير والبهجة.
مع ذلك، يعاني الإندونيسيون مما يعاني منه بعض مسلمي الدول الأخرى بخصوص الاختلاف في رؤية هلال رمضان، إذ يتمنون أن تكون هناك مؤسسة واحدة في العالم يعتمدها الجميع كنوع من مظاهر الوحدة الإسلامية في الصيام وعيد الفطر، لكن هذا لم يحدث بعد بحجج كثيرة قد سبقها التطور العلمي وأبطلها في هذا المجال.
كما أنهم يخرجون في آخر أيام شعبان إلى المقابر في مسيرات جماعية لزيارة قبور ذويهم والدعاء لهم بالرحمات قبل بداية رمضان، وهذا تقليد أساسي لدى الإندونيسيين تعبيرًا منهم عن حبهم لذويهم الذين فقدوهم ولم يستطيعوا قضاء رمضان هذا العام معهم، وأيضا يقومون بالتصدق عن المتوفى في أثناء رحلتهم إلى المقابر.
لرمضان مكانة خاصة في قلوب كبار الإندونيسيين وصغارهم. ففي نهاره توصد المقاهي والمطاعم أبوابها، وبعض المطاعم التي تعمل من أجل غير المسلمين تسدل ستائر على المحلات احترامًا لقدسية شهر رمضان. ومن العجب، أن بعض أبناء الديانات أخرى في إندونيسيا كالكاثوليك والبروتستانت والبوذيين يحتفلون فرحًا بمجيء رمضان بداعي أنّ أجواء أيامه تكون بيئةً هادئة تسكن القلوب وتورث الحنان على حد ذكر بعض طلابي الإندونيسيين في جامعة الأزهر، ومنهم الطالب فجر العلماء الذي يقول إنهم يبكون فرحًا في إندونيسيا يبكون فرحًا برمضان، وأن مظاهر استقباله في إندونيسيا قريبة الشبه بما يحدث في مصر -العزيزة على كل إندونيسي- من حيث مظاهر الاستقبال والإكرام.
ورسميًّا تمنح الحكومة الإندونيسية شعبها تخفيفًا من الأعباء الوظيفية، وتتقلص الأنشطة المدرسية والمعاهد الدينية، إذ ينتهي العمل عند الساعة 2 بعد الظهر حتى يتمكن الموظفون للعودة إلى منازلهم وإعداد الإفطار في ظل زحام المدينة المكتظة بالسكان والمليئة بالأسواق. ومع بداية النصف الأخير من شهر رمضان تكون هناك أجازة للطلاب وراحة للعمّال والموظّفين من أعمالهم، لتزداد المساجد حيوية ورواجًا دينيًّا بقراءة القرآن والدروس الدينية للأطفال والشّباب وكبار السن بنشاط يطلقون عليه «سَفَارِي رَمَضَان»، بحيث لا تنشغل أذهانهم بشيء سوى القرآن ودروس العلم حتى أذان المغرب، وبعده يفطرون في المسجد بالوجبات التي تعد في بيوتهم والتي يتبرع بها بعض المحسنين. وبعد صلاة التراويح هناك من يتسامر ويروّح عن نفسه بالألعاب والأهازيج ومظاهر البهجة، ثم يتجه بعضهم إلى بيته للنوم بعض الوقت قبل حلول وقت السحور وصلاة الفجر، وهناك آخرون يذهبون إلى المسجد مرة أخرى لاستئناف أنشطتهم الدينية والعلمية.
ومن حيث الأطعمة الأندونيسية في رمضان، فإنها تختلف عن غيرها مما هو موجود في العديد من الدول والبلدان المسلمة، ومن أبرزها تنوّع الأطعمة التقليديّة التي تقدّم عند الإفطار؛ فلكلّ منطقة أطبّاقها التي تعكس تاريخها وثقافتها المحلّيّة، مثل:
كولاك: عبارة عن شرائح بطاطا حلوة وموز مع حليب جوز الهند والسكر والفانيلا.
التمر واللبن اقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
إيس تشامبور: الذي يجمع بين الفواكه والثلج المنعش.
بيسانغ إيجو: وهو الموز الملفوف بعجين أخضر اللون مع حليب جوز الهند وشراب كوكو باندان والثلج، وتشتهر به منطقة ماكاسار جنوب سولاويزي.
كيكاك: يتكون من أرز مهروس مع مبشور جوز الهند وشرائح من لب الكاكايا، ويمكن أن يٌلف في أوراق شجرة الموز، ومنشأ هذه الأكلة يوجياكرتا.
باكات: طبق من الروطان الطري المشوي مع رشة من جوز الهند المبشور مع صلصة الفلفل الحار، وتشتهر به ميدان في سومطرة الشمالية.
سوتونغ بانغكونغ: تشتهر بها منطقة غرب كاليمانتان، وهي عبارة عن لحم الحبار المجفف المشوي على الفحم، ويقدم بعد دَقِّه مع صلصة الفول السوداني أو صلصة الروبيان.
ساتيه سوسو: هي أكلة تشتهر بها جزيرة بالي، وتتكون من مشوي ضرع البقر على الفحم مع توابل خاصة، وهو يعطي طاقة تعين على الصيام.
تيمون سوري: شراب فاكهة تشبه البطيخ أو الشمام مع الكثير من العصير، يقدم عادة مع شراب كوكا باندان أو العسل أو شراب سكر النخيل أو الحليب المكثف، ويأتي أصل هذا الشراب من منطقة سيريبون جاوة الغربية.
كما تنتشر في الأسواق الشعبيّة قبل المغرب أنواع مختلفة من الحلوى والمقليات والمشروبات الملونة، ويقبل الناس على شرائها في أجواء احتفالية تعكس روح التضامن والتكافل، حيث يحرص كثيرون على مشاركة الطعام من الجيران والفقراء.
ومن المظاهر الإندونيسية في أواخر شهر رمضان المميّزة ما يعرف بـ «موديك»، وهو عودة الملايين من قاطني المدن الكبيرة إلى قراهم ومدنهم الأصليّة قبيل عيد الفطر. وتعدّ هذه العادة من أكبر حركات الهجرة الموسميّة في العالم، إذ يسافر الناس لمسافات طويلة باستخدام مختلف وسائل النقل بهدف صلة الرحم والاحتفال بالعيد من العائلة حاملين معهم الراتب الإضافي التي تمنحهم الحكومة إياه هدية للعيد. ولا تقتصر هذه الظاهرة على البعد الاجتماعي فحسب، بل تحمل أيضًا معاني روحيّة وإنسانيّة، حيث يشعر الناس بقيمة الأسرة والموطن الأصلي، ويتبادلون الزيارات والهدايا بما يعزّز الروابط الاجتماعيّة ويظهر خصوصيّة المجتمع الإندونيسي في الجمع بين العادات المحلّيّة وتعاليم الإسلام.
وفي ليلة العيد يخرج المسلمون في إندونيسيا إلى الشوارع، يطوفون خلالها بسياراتهم أو على أرجلهم، وأصوات الجميع تهتف بالتكبير، ويرافق ذلك القرع على الطبول، والعزف على بعض الآلات الموسيقية؛ تعبيراً عن فرحة العيد، وابتهاجاً بقدومه.

*الكاتب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر