وصف المحامي بالنقض مرشح الرئاسة السابق في مصر بانتخابات 2012، خالد علي، قرار وزير العدل المصري بشأن تقييد الخدمات الإلكترونية كافة للرجال الصادرة بحقهم أحكام قضائية بالنفقات في البلاد، بأنه تأكيد لفلسفة عقابية بدأت في مصر منذ العام 2015.
وكتب خالد علي، عبر حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك يقول :
قرار وزارة العدل رقم 896 لسنة 2026، القاضي بتعليق الاستفادة من 34 خدمة حكومية للمحكوم عليهم في قضايا النفقة حتى سداد المديونية المستحقة سيثير نقاشًا واسعًا لا يتعلق فقط بجدوى القرار، بل أيضًا بطبيعته القانونية وآثاره الاجتماعية والسياسية ومدى ترسيخه لفلسفة عقابية يبدو أن المشرع المصرى سيتوسع فيها تدريجياً.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع حقيقة أن القرار لم يصدر في فراغ تشريعي، فلم يغتصب وزير العدل سلطة ليست له، بل يستند إلى تعديل سابق على قانون العقوبات المصرى بموجب التعديل بالقانون رقم 6 لسنة 2020 على المادة 293 من قانون العقوبات، وهو التعديل الذي شدد عقوبة الامتناع عن سداد النفقة، وأجاز كذلك وقف بعض الخدمات الحكومية عن الممتنع حتى السداد.
قرار وزير العدل عقوبة من العدم
من هذه الزاوية، لا يمكن القول ببساطة إن القرار الإداري اختلق عقوبة جديدة من العدم، إذ إن المشرّع نفسه فتح الباب لهذا النوع من الجزاءات حين أجاز وقف الخدمات الحكومية كوسيلة ضغط على الممتنع عن الوفاء بحقوق النفقة.
غير أن وجود أصل تشريعي للقرار لا يعني تلقائيًا أن كل تطبيق إداري له يصبح بمنأى عن النقد، أو أن السلطة التنفيذية تملك التوسع فيه بلا حدود أو ضوابط. فالمسألة الحقيقية ليست فقط في وجود السند القانوني، بل في حدود هذا السند، وطبيعة الخدمات المشمولة بالوقف، وضمانات التناسب، ومنع التعسف، واحترام الحقوق الدستورية الأساسية.
فحقوق النفقة ليست التزامًا ماليًا عاديًا، بل تمثل في كثير من الأحيان موردًا لازمًا للمعيشة والحياة الكريمة للزوجة أو الأبناء أو المستحقين. ومن ثم فإن تشديد أدوات إلزام المدين بالسداد يمكن فهمه في إطار حماية الطرف الأضعف ومنع التحايل على الأحكام القضائية.
عقوبة تتجاوز الغرض من استيفاء الحق
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول وسيلة التنفيذ إلى آلية عقابية ممتدة قد تتجاوز غرض استيفاء الحق، وقد يكون حرمانه من هذه الخدمات يؤدى إلى تعجيزه عن الوفاء بالدين وليس العكس، لتصير أقرب إلى نظام للعقوبات الإدارية المتراكمة التي تمسّ مجالات متعددة من حياة المواطن، وربما تعوق قدرته نفسها على الكسب والسداد.
وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين الضغط المشروع لتنفيذ حكم النفقة، وبين التوسع العقابي غير المتناسب. فإذا كان وقف بعض الخدمات المرتبطة مباشرة بالمعاملات غير الأساسية قد يدخل في نطاق الوسائل المشروعة للضغط، فإن التوسع إلى عدد كبير من الخدمات من دون تمييز دقيق قد يثير شبهة الإخلال بمبدأ التناسب، خصوصًا إذا مسّ خدمات لازمة للحياة اليومية أو للعمل أو العلاج أو استخراج أوراق أساسية. فليس كل حرمان من الخدمة يؤدي إلى السداد، بل قد يؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية، بأن يزيد تعثر المدين ويجعله أقل قدرة على الوفاء بما عليه.
قرار وزير العدل والمبادئ الدستورية
ثم إن العقوبة، حتى حين يجيزها القانون، ينبغي أن تظل محكومة بمبادئ دستورية راسخة شأن الضرورة، والتناسب، والوضوح، والتحديد، وعدم التحول إلى جزاء مفتوح أو دائم. فإذا كان وقف الخدمات سيستمر “حتى السداد”، فإن التطبيق العملي يجب أن يراعي حالات العجز الحقيقي لا الامتناع المتعمد فقط، لأن القانون والعدالة يفرقان بين من يملك ويماطل، ومن يعجز فعلاً عن الوفاء.
كما ينبغي أن توجد آليات واضحة وسريعة للتظلم، ومراجعة دورية للقرار، وتحديد دقيق للخدمات التي يجوز وقفها والخدمات التي لا يجوز المساس بها مطلقًا لارتباطها بالكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية.
تكريس الإخضاع المعنوي
إن الدفاع عن حقوق مستحقي النفقة واجب قانوني وأخلاقي لا خلاف عليه، لكن هذا الهدف المشروع لا ينبغي أن يفتح الباب لتكريس نموذج إداري يقوم على الإخضاع المعنوي للمواطنين عبر سلاح الخدمات العامة.
فالدولة القانونية لا تُقاس فقط بقدرتها على إلزام الأفراد بالأحكام، بل أيضًا بقدرتها على فعل ذلك دون انتهاك التناسب، ودون تحويل الاستثناء إلى قاعدة، ودون استنساخ نماذج رقابية تجعل من الحقوق أدوات تأديب.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب طرحه ليس ما إذا كان الامتناع عن النفقة يستحق مواجهة حاسمة، فالإجابة نعم، بل: ما هي حدود هذه المواجهة؟ وهل تظل في إطار تنفيذ الأحكام وحماية المستحقين، أم تنزلق إلى تأسيس بنية أوسع للعقوبات الإدارية المقنعة؟ هنا يصبح نقد القرار واجبًا، لا لأنه ينكر حق أصحاب النفقة، بل لأنه يدافع عن فكرة أعمق: أن سيادة القانون لا تتحقق فقط بمعاقبة الممتنع، بل أيضًا بمنع السلطة من التوسع في العقاب على نحو يهدد حقوق الجميع.
خطورة قرار وزير العدل
كما أن خطورة هذا القرار لا تقف عند نطاق قضايا النفقة وحده، بل تمتد إلى ما يمكن أن يؤسس له من منطق تشريعي وإداري جديد في فلسفة العلاقة بين الدولة والمواطن: منطق تصنيف المواطنين بحسب مدى امتثالهم المالي أو القضائي، وربط تمتعهم بالخدمات العامة بسلوكهم الشخصي أو مديونياتهم. وهذه الفلسفة العقابية تبناه المشرع المصرى فى قانون الكيانات الارهابية رقم ٨ لسنة ٢٠١٥ عندما رتب ٩ آثار خطيرة على هذا إدراج المواطنين على قائمة الارهابيين:
١- الإدراج على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول، أو منع الأجنبي من دخول البلاد.
2- سحب جواز السفر أو إلغاؤه أو منع إصدار جواز سفر جديد أو تجديده.
٣-فقدان شرط حسن السمعة والسيرة اللازم لتولي الوظائف والمناصب العامة أو النيابية أو المحلية.
4- عدم التعيين أو التعاقد بالوظائف العامة أو بشركات القطاع العام أو قطاع الأعمال العام، بحسب الأحوال.
5- الوقف عن العمل مع صرف نصف الأجر.
6- تجميد الأموال أو الأصول الأخرى المملوكة للإرهابي، سواء بالكامل أو في صورة حصة في ملكية مشتركة، والعائدات المتولدة منها، أو التي يتحكم فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، والأموال أو الأصول الأخرى الخاصة بالأشخاص والكيانات التي تعمل من خلاله.
7- حظر ممارسة جميع الأنشطة الأهلية أو الدعوية تحت أي مسمى.
8- حظر تمويل أو جمع الأموال أو الأشياء للإرهابي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وحظر تلقي الأموال أو تحويلها وكذا غيرها من الخدمات المالية المشابهة.
9- وقف العضوية في النقابات المهنية ومجالس إدارات الشركات والجمعيات والمؤسسات وأي كيان تساهم فيه الدولة أو المواطنون بنصيب ما ومجالس إدارات الأندية والاتحادات الرياضية وأي كيان مخصص للمنفعة العامة.
وقرار الإدراج يصدر فى غيبة المواطن ودون أن يسمح له ولمحاميه بتقديم أى دفاع، حيث تقدم النيابة طلب الإدارج لمحكمة الجنايات منعقده فى غرفة مشورة وتصدر قرارها بدون إعلان أو حضور المواطن ومحاميه، ولا يعلم المواطن بالقرار إلا عند نشره بالجريدة الرسمية، ويتم تطبيق هذه الآثار عليه فوراً، ويكون له حق الطعن بالنقض على قرار الإدراج خلال ٦٠ يوم من نشره.
فلسفة تشبه التصنيف الاجتماعي في الصين
وهذه الفلسفة العقابية تذكّرنا، بملامح تجربة “التصنيف الاجتماعي” التي عُرفت في الصين، حيث استُخدمت أدوات إدارية ورقمية لفرز المواطنين وتقييد بعض حقوقهم أو خدماتهم استنادًا إلى تقييم سلوكهم ومدى امتثالهم وولائهم. صحيح أن الحالة المصرية لا تطابق النموذج الصيني من حيث البنية أو الاتساع أو الأدوات التقنية حتى الآن، لكن التشابه يكمن في الفكرة المؤسسة نفسها “تحويل الخدمات العامة من حقوق ينظمها القانون إلى أدوات ضغط وتأديب اجتماعي وإداري”، وهو ما يفتح الباب لتقارب الفلسفة العقابية المصرية مع الفلسفة العقابية الصينية.
صناعة مجتمعات الاستحقاق المشروط
وهنا يكمن موضع القلق الحقيقي. فحين تعتاد الدولة استخدام الخدمة العامة كوسيلة للردع، يصبح من السهل مستقبلاً توسيع هذا المنهج على فئات أخرى وتحت مبررات مختلفة، من النفقة إلى الديون، ومن الديون إلى مخالفات أخرى، حتى نصل تدريجيًا إلى مجتمع تُدار فيه الحقوق الأساسية بمنطق “الاستحقاق المشروط” لا بمنطق المواطنة وسيادة القانون. وهذه نقلة خطيرة، لأنها تنقل الدولة من دورها كضامن للحقوق ومنفذ للأحكام وفق ضوابط قضائية، إلى دور المراقب والمعاقِب عبر شبكة واسعة من القيود الإدارية.
إن أخطر ما في القرار، في نهاية المطاف، ليس فقط آثاره المباشرة، بل ما يرمز إليه من تحول في فلسفة الحكم: من دولة تنفذ القانون، إلى دولة تستخدم الخدمات كأداة للضغط والإخضاع. وبين حماية الحق وبين ترهيب المجتمع خيط رفيع، والدولة الرشيدة هي التي تعرف كيف تحمي الأول دون أن تسقط في الثاني.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع