أ. د. محمود زايد
دخلت كركوك حاليًا منعطفًا شديد الانحدار في الخلافات الكردية الكردية في إقليم كوردستان العراق بعدما كانت الخلافات بشأنها عربية كردية تركمانية في الداخل العراقي،
وهذا انعطاف يمكن اعتباره سيرًا نحو مصير خطير على واقع إقليم كردستان نفسه في كثير من المكتسبات التي حققها في أعقاب سقوط نظام صدام حسين.
لا شك أن وفاة مام جلال في 2017م وما حدث في 16 أكتوبر في أعقاب الاستفتاء على إقليم كردستان في العام نفسه أدى إلى اتساع هوة الخلافات بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني وتصاعد حدة التوترات السياسية بينهما يومًا بعد يوم.
وبذلك باتت كركوك ضمن قائمة المشكلات الخلافية المعقدة بين الحزبين الكرديين، مع منصب رئاسة جمهورية العراق، وتوزيع الحقائب الوزارية في بغداد وأربيل،
وبعض مصادر الواردات، في وقت يعاني فيه عموم الشعب الكردي من أوضاع اقتصادية متردية، وقطع للرواتب أو تأخرها من قبل بغداد، وفي ظل اشتعال المنطقة بصراعات وحروب إقليمية لم يكن إقليم كردستان في يوم من الأيام بعيدًا عن تداعياتها السلبية المباشرة وغير المباشرة.
فقبل اشتعال الوضع في كركوك بخمسة أيام، كانت أزمة منصب رئاسة الجمهورية قد تفاقمت في يوم 11 أبريل باختيار برلمان بغداد مرشح اليكيتي نزار ئاميدي رئيسًا للجمهورية،
حيث احتج البارتي على الآلية التي تمت بها عملية الاختيار، متهمًا إياها بأنها مخالفة للدستور والأعراف المتبعة، وأشار آخرون أن بعض القوى كـ«تقدم» في صفقة مع اليكيتي قد اشترت النِصَاب والأصوات بالمال السياسي بنحو 140 مليون دولار على حد ذكر مسؤول في تحالف العزم ورئيسه مثنى السامرائي،
وبالتالي طلب البارتي من أعضائه في برلمان بغداد ووزرائه في الحكومة العراقية إلى العودة إلى أربيل للتشاور حول تلك التطورات، ثم أعلن تعليق مشاركته في العملية السياسية، الأمر الذي أقلق كثيرين وجعلهم يبحثون عن مخرج مناسب من هذه الأزمة.
كركوك نار لا تنطفئ ونزاع لا يتوقف
لم يتوقف الأمر على ذلك، وإنما طال الوضعَ السيادي للكرد على كركوك التي يعدها الكرد كردستانية الجغرافية والتاريخ والهوى. قال عنها ملا مصطفى إنها «قلب كردستان»، ومعلوم أن الجسد لا يعيش بدون قلب، بينما عدّها جلال الطالباني «قدس كردستان»، أي إن مكانتها للكرد بمثابة مكانة القدس عند المسلمين والعرب.
في يوم الخميس 16 أبريل 2026م، فُعِّلَت بنود «اتفاق فندق الرشيد» الذي عُقد في أغسطس 2024م، بتدويل المناصب بين المكونات الثلاث في كركوك (الكرد والتركمان والعرب)، في خطوة أفضت إلى تسليم «منصب المحافظ» للمكون التركماني لأول مرة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وكان من نصيب محمد سمعان رئيس الجبهة التركمانية،
الذي كان قد دعا رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في يوليو 2025م، إلى التدخل المباشر لإعادة تشكيل الحكومة المحلية في كركوك بما يضمن تمثيل المكون التركماني في إدارة شؤون المحافظ، خلفاً للمحافظ الكردي ريبوار طه. وأدى هذا إلى تصاعد الاعتراضات السياسية التي ترى في الاتفاق تهديداً للتوازنات الديمقراطية والإدارية في المحافظة.
جاءت فكرة تداول المناصب السيادية في كركوك بعد تعثر تشكيل مجلس المحافظة الأخير، واستمرار الخلاف نحو عشرة أشهر بعد انتخابات المحافظة التي جرت نهاية 2023م. ويقوم اتفاق فندق الرشيد على أن تتناوب المكونات الثلاثة على إدارة منصب المحافظ ورئيس المجلس،
مع ضمان تمثيل جميع القوى السياسية وإعادة بناء الثقة بين المكونات، وعليه تشكلت حكومة كركوك، وانتخاب ريبوار طه من اليكيتي محافظًا، ومحمد الحافظ عن المكون العربي رئيسًا لمجلس المحافظة، وإبراهيم تميم نائبًا للمحافظ، وإنجيل زيا عن حركة بابليون المسيحية بزعامة ريان الكلداني مقرّرة لمجلس المحافظة.
ونصّ الاتفاق أيضًا على تحديد انتهاء ولاية ريبوار طه بحلول 31 من ديسمبر من العام الماضي لينتقل المنصب إلى مكون آخر، لكن ريبوار استمر بعمله محافظاً لكركوك ليعود الحديث مجدداً خلال الأيام الماضية عن اتفاق جديد،
أقطابه: اليكيتي برئاسة بافل طالباني وتقدم برئاسة محمد الحلبوسي، وعصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وحركة بابليون برئاسة ريان الكلداني، والجبهة التركمانية برئاسة محمد سمعان الذي زار بافل طالباني في بغداد بعد يومين من جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.
ويتم تفعيل مضمون هذا الاتفاق بأن يقدم المحافظ الحالي ريبوار طه استقالته من أجل إسناد المنصب إلى مرشح المكون التركماني، وهو ما تم يوم 16 أبريل الجاري، ثم يذهب المنصب بعد سنة إلى المكون العربي الذي سيحصل على منصب رئيس مجلس المحافظة،
فيما يتم تدويل المناصب الأخرى، من مديري الدوائر، وقادة الأجهزة الأمنية، ورؤساء الوحدات الإدارية في كركوك. مقابل ذلك، سيحصل اليكيتي على منصب النائب الأول للمحافظ، وقائد شرطة كركوك، وقائم مقام قضاءي الدبس وداقوق.
على الجانب الآخر من هذا السياق، هناك اعتقاد أن ما جري في كركوك ما هو إلا استكمال لما جرى في جلسة اختيار رئيس الجمهورية، بمعنى أنه مغازلة سياسية من بافل طالباني رئيس اليكيتي لتركيا عبر منحه منصب المحافظ للتركمان مع أنهم ليس لهم إلا مقعدان فقط في مجلس المحافظة من أصل 16 عضواً، للكرد منهم 8+1،
ولا شك أن أمرًا كهذا يضر بالعملية الانتخابية والآليات الديمقراطية، وإلا ما الفائدة من المشاركة في الانتخابات إذا كانت المناصب توزع وفقاً للمواءمات وإرضاءً لتركيا التي لا تزال تعدّ اليكيتي شريكاً غير موثوق به، بسبب قربه من إيران، وعلاقاته مع حزب العمال الكردستاني.
و الإشكالية التي ربما تؤثر بشكل مباشر على أوضاع مواطني كركوك ومستوطنيها، أن ما حدث ربما يخلق حالة من الفوضى الإدارية عند مديري المؤسسات والدوائر، ويضر بعملية الاستقرار، بما يجعلها حالة غير صحية ترفضها الحكومة العراقية على أساس أنها لا تخدم العملية الإدارية والتنظيمية والتخطيطية.
والصورة الأكثر تعقيدًا في هذا المشهد هو موقف البارتي الذي أبدى رفضه القاطع من البداية لاتفاق فندق الرشيد بدعوى أنه مبني على أسس باطلة، معتبرًا أن الكرد لم ولن يساوموا على حقوقهم بكونهم الأكثرية في كركوك وهم الأجدر بتولي منصب المحافظ.
وبالتالي قاطع أعضاء البارتي آلية اختيار محافظ جديد لها، معتبرين أن قرارات مثل تغيير منصب المحافظ في كركوك ذات الوضع الحساس يجب أن تناقش بين الممثلين الشرعيين لأهل المدينة، وليس في الغرف المظلمة والصفقات المشبوهة.
ليس البارتي وحده من عارض آلية تداول منصب محافظ كركوك وفقًا لاتفاق فندق الرشيد،
إذ أبدت القوى التركمانية، والتحالف العربي بزعامة محافظ كركوك السابق راكان الجبوري اعتراضها، ويضم التحالف العربي شخصيات عربية من محافظة كركوك بينهم أكاديميون ووجهاء من شخصيات مدنية وشيوخ عشائر يؤكد رئيسها ناظم الشمري، رفضه للاتفاق، قائلاً «ما بني على الباطل، فهو باطل»،
وقال إن اتفاق فندق الرشيد أهمل حقوق العرب، وركز على المناصب والامتيازات والمنافع الشخصية والحزبية، ولم يتطرق لمشكلة الأراضي الزراعية، وبالتالي فإن التداول، وإعطاء المنصب للمكون التركماني، لن يغير من المعادلة الإدارية في كركوك.
هكذا تعيش كركوك على صفيحها الساخن، دون أن تجد من يساعد على تهدأة الأوضاع فيها، والغضب يستشري داخل قاعدة شعبية كردية كبيرة داخل كركوك وخارجها،
كما أن هناك امتعاضًا وضجرًا لدى البعض داخل اليكيتي نفسه، وذهب آخرون أن ما تم في كركوك تفريط كبير في التراب الكردي الذي ارتوى بعشرات الألوف من الشهداء الكرد دفاعًا عنها، بينما يراه مؤيدون داخل اليكيتي أنه تكريس للتعايش والتكامل بين مكونات كركوك.
وعليه فإن الأيام القادمة حبلى بتطورات جديدة ربما تكون أشد خطرًا ما لم تكون هناك مصالح جامعة تلزم الحزبين الكرديين الكبيرين على الاتفاق حولها، وأعتقد أنهما جديران بهذا التفهم كخروج آمن من هذا المنزلق الخطير الذي يساعد في إشعاله قوى معادية للكرد وحقوقهم الوطنية.
أيًّا كانت الحقائق، فالظاهر لدينا أن يد الكرد على كركوك قد تراجعت كثيرًا في التسعة أعوام الماضية، وتحديدًا منذ 16 أكتوبر 2017م، وهذا أثر بشكل مباشر على أوضاع مواطنيها من الكرد، في استحقاقاتهم السياسية والإدارية والأمنية، وفي ممتلكاتهم الزراعية والتجارية، بل وحتى على أوضاعهم المعيشية والثقافية.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع