الدكتور نبيل فزيع
في تاريخ الشعوب محطات تصنعها السياسة، وأخرى تصنعها الجغرافيا، لكن هناك محطات استثنائية تصنعها التضحيات. وفي تاريخ شعب كوردستان، تحتل قوات البشمركة مكانة تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية التقليدية، لتصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية والهوية الجماعية لشعب خاض مسيرة طويلة من النضال دفاعاً عن أرضه وكرامته وحقه في العيش بأمن واستقرار.
البشمركة الكوردية
لقد ولدت البشمركة من رحم معاناة تاريخية طويلة، في ظروف كانت فيها الجبال ملاذاً للأحرار، وكانت الإرادة أقوى من كل محاولات الإقصاء والتهميش. ومنذ بداياتها الأولى، ارتبط اسم البشمركة بمعاني الرجولة والتضحية والفداء، حتى غدت رمزاً وطنياً يحظى باحترام واسع داخل كوردستان وخارجها.
ولم تكن هذه القوات مجرد تشكيل مسلح نشأ في سياق سياسي معين، بل تحولت عبر العقود إلى مؤسسة وطنية راسخة لعبت دوراً محورياً في حماية المجتمع الكوردستاني والدفاع عن مكتسباته.
البشمركة تواجه الإرهاب
وعندما واجهت المنطقة موجات الإرهاب والتطرف التي هددت الأمن الإقليمي والدولي، كانت البشمركة في الصفوف الأولى للمواجهة. وقدمت آلاف الشهداء والجرحى دفاعاً ليس عن كوردستان وحدها، بل عن القيم الإنسانية المشتركة التي استهدفتها قوى الظلام والعنف. وفي تلك اللحظات العصيبة، أثبتت هذه القوات أنها شريك موثوق في ترسيخ الأمن والاستقرار، وأنها تمتلك من المهنية والانضباط ما يؤهلها للقيام بدور يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
إن ما يميز البشمركة اليوم هو أنها تمثل قوة وطنية معتدلة تعمل ضمن إطار مؤسساتي وقانوني واضح، وتستند إلى عقيدة دفاعية هدفها حماية الإقليم وسكانه بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية. ولذلك أصبحت البشمركة أحد أهم عوامل التوازن والاستقرار في منطقة لا تزال تعاني من أزمات معقدة وصراعات متشابكة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن استقرار إقليم كوردستان لا يروق لبعض الجهات التي اعتادت الاستثمار في الفوضى وإذكاء الانقسامات. فكلما نجح الإقليم في تعزيز أمنه وتطوير مؤسساته وترسيخ تجربته السياسية، ظهرت محاولات جديدة للتشكيك بمؤسساته الوطنية أو استهداف حالة الاستقرار التي ينعم بها مقارنة بمحيطه المضطرب.
وتدرك هذه الجهات أن قوة كوردستان لا تكمن فقط في إمكاناتها الاقتصادية أو موقعها الجغرافي، بل في تماسك مؤسساتها الأمنية والوطنية وفي مقدمتها قوات البشمركة.
إن الدفاع عن البشمركة ليس دفاعاً عن مؤسسة عسكرية فحسب، بل هو دفاع عن فكرة الاستقرار نفسها.
فالأمن ليس شعاراً سياسياً، بل شرط أساسي للتنمية والازدهار والتعايش. وكل مشروع يسعى إلى بناء مستقبل آمن للأجيال القادمة يحتاج إلى قوة وطنية مهنية تحمي المكتسبات وتدافع عن القانون وتصون السلم الأهلي.
ومن هنا، فإن التحية والتقدير مستحقان لكل ضابط وجندي ومقاتل في صفوف البشمركة، ولكل أسرة قدمت شهيداً أو جريحاً في سبيل حماية كوردستان. فهؤلاء لم يكتبوا تاريخهم بالشعارات، بل سطروه بالتضحيات والمواقف والالتزام الوطني. وسيبقى اسم البشمركة مرتبطاً بصفحات مشرقة من الصمود والشجاعة والإخلاص.
البشمركة والتضحيات المستمرة
لقد أثبتت التجارب أن الأمم التي تحترم تضحيات أبنائها وتدعم مؤسساتها الوطنية هي الأقدر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. وفي هذا السياق، تبقى البشمركة عنواناً للقوة المسؤولة، ورمزاً وطنياً يعبر عن إرادة شعب اختار الدفاع عن أمنه واستقراره في منطقة تعج بالتحولات والتهديدات.
وإذا كانت الأمم تُقاس بقدرتها على حماية مكتسباتها، فإن كوردستان تمتلك في البشمركة إحدى أهم ركائز قوتها وضمانات استقرارها، وستظل هذه المؤسسة الوطنية حصناً منيعاً في وجه كل من يحاول العبث بأمن الإقليم أو النيل من إرادة شعبه ومستقبله.
*الكاتب خبير القانون الجنائي والدولي
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع