السبت , 13 يونيو , 2026
أخبار عاجلة

جدلية الشكل والإنسان فى تجربة النحات إيهاب الأسيوطي

حكيم جماعين

على قاعات جاليري ضي الزمالك، تعرض تجربة، للنحات ايهاب الاسيوطي تتأسس على حوار متواصل بين الشكل بوصفه بناءً بصرياً، والإنسان بوصفه مركزاً للخبرة الوجودية والاجتماعية.

ومن خلال تنوع الأعمال بين النحت البارز والمجسمات، يطرح الاسيوطي مجموعة من الرؤى التي تتناول العلاقة بين الهندسة والطبيعة البشرية، وبين البناء العقلي والتجربة الإنسانية، في مشروع فني يتسم بالتعدد الموضوعي والاتساق الفكري في آن واحد.

 

 

تظهر ثيمة الهندسيات والتجريد بوصفها إحدى الركائز الأساسية في تجربة الاسيوطي هذه. ففي مجموعة البورتريهات المنفذة بأسلوب النحت البارز، لا يتعامل النحات مع الوجه باعتباره موضوعاً وصفياً أو تسجيلياً، بل باعتباره بنية قابلة للتحليل وإعادة التركيب.

وتتحول الملامح إلى عناصر شكلية تتجاور وتتداخل وفق إيقاعات هندسية تمنح العمل بعداً تأملياً يتجاوز التشابه الخارجي. أما المجسمات المعمارية والتراكيب الهندسية فتؤكد اهتمام الأسيوطي بالبناء والتنظيم والعلاقات النسبية بين الكتل والفراغات، حيث يصبح الشكل وسيلة لاكتشاف إمكانات التكوين أكثر من كونه محاكاة لواقع مرئي.

 

 

وفي الأعمال التي تجمع بين الهندسي والعضوي تتجلى رؤية أكثر تعقيداً للعلاقة بين تفاصيل الحياة. فالعناصر المعمارية بما تحمله من وضوح وإنضباط تتجاور مع الشكل الإنساني بما يمتلكه من مرونة وحيوية.

هذا التفاعل لا يقوم على التضاد بقدر ما يقوم على التكامل، إذ يكشف عن إمكانية التعايش بين البنية العقلية الصارمة والطبيعة الإنسانية المتغيرة. ومن منظور اجتماعي، يمكن النظر إلى هذه الأعمال بوصفها تعبيراً عن علاقة الإنسان بالبيئات التي يصنعها ويعيش داخلها، حيث تؤثر الأطر المنظمة للحياة في تشكيل السلوك والخبرة اليومية دون أن تلغي خصوصية الفرد.

 

 

أما الأعمال التي تناولت الفيجر الإنساني في موضوعات متعددة مثل الطيران والانتظار والأسرة والرياضة والاتزان والوجه، فتؤكد حضور الإنسان باعتباره محوراً رئيسياً في رؤية الفنان.

غير أن هذا الحضور لا يقتصر على الجانب التشريحي أو الوصفي، بل يتجه إلى استكشاف الحالات الإنسانية المختلفة. فالطيران يعبّر عن التطلع إلى تجاوز الحدود المألوفة، والانتظار يستدعي تأمل الزمن بوصفه جزءاً من التجربة الإنسانية، بينما تعكس الأسرة قيم الترابط والانتماء.

أما الرياضة والاتزان فتقدمان الجسد باعتباره مجالاً للحركة والتفاعل والقدرة على تحقيق التوازن بين القوى المتعارضة. وبهذا تصبح الهيئة الإنسانية وسيلة لفهم أنماط متعددة من الخبرة البشرية.

وفي جانب آخر من المعرض، يستثمر الأسيوطي مفردات الكوميكس في أعمال مثل “مصيدة الفئران” و”طبق الهنا” و”الرضاعة”. وتكشف هذه الأعمال عن انفتاح التجربة على الثقافة البصرية اليومية وعلى الصور المتداولة في الوعي الجمعي.

 

 

فالكوميكس هنا لا يُستخدم بوصفه لغة ترفيهية فحسب، بل كوسيلة فنية تسمح بإنتاج معانٍ مركبة تجمع بين الطرافة والتأمل، وبين البساطة الظاهرة والعمق الكامن في التفاصيل. كما تتيح هذه الأعمال للمتلقي الدخول إلى العمل من خلال مرجعيات بصرية مألوفة قبل الانتقال إلى مستويات أكثر عمقاً من القراءة.

وفي الأعمال الأخيرة، التي تحمل عناوين مثل “السجين” و”الأسر” و”أسرة داخل الحصار” و”أشلاء”، يتجه الفنان إلى معالجة موضوعات ترتبط بالحالات الإنسانية القصوى وما تثيره من أسئلة حول العزلة والاحتواء والتفكك وإعادة التشكل.

ويظهر الاهتمام هنا منصباً على التعبير عن المشاعر والحالات النفسية من خلال الكتلة والإيقاع والتكوين، حيث تتحول العناصر النحتية إلى وسائط تكشف عن تعقيد التجربة الإنسانية وتعدد مستوياتها.

إن ما يميز تجربة الأسيوطي هذه هو قدرتها على التنقل بين عوالم متعددة دون أن تفقد وحدتها الداخلية. فالهندسة والتجريد، والعضوي والمعماري، والفيجر الإنساني، والكوميكس، جميعها تبدو مكونات لرؤية واحدة تبحث في الإنسان وعلاقته بالشكل والبيئة والمجتمع.

ومن خلال هذا التنوع، يقدم الفنان تجربة نحتية تنطلق من الشكل لكنها تنتهي إلى أسئلة أوسع تتعلق بالإدراك والوجود والعلاقات الإنسانية، مؤكداً قدرة النحت على أن يكون مجالاً للتفكير بقدر ما هو مجال للتشكيل البصري.

*الكاتب ناقد وفنان تشكيلي